ولا يخفى أيها الأخوة، أن في القرآن الكريم ومضات تؤكد هذا المعنى، فالأمر الذي لا يمكن أن يقبل، والأمر الذي لا يمكن أن يفهم، والأمر الذي يتناقض مع طبيعة الإنسان، ومع إنسانيته، ومع أبوته أن يقول الله عز وجل لنبي كريم اذبح ابنك.
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}
[سورة الصافات: 102]
أعلى درجة من الانصياع لله عز وجل أن يأتيك أمر لا يقبل، ولا يعقل، ولا ينطلق من طبيعة إنسانية، فهذا النبي الكريم يعد قمة في الانصياع لأمر الله، نحن في حياتنا هذه كل الأوامر معقولة واضحة بينة حكمتها، والناس مقصرون، فكيف إذا كان الأمر غير معقول، وغير مقبول، لكن الذي وجه إليه هذا الأمر يعرف من هو الله، يعرف ما عنده، يعرف فضل الاستسلام له، يعرف فضل طاعته.
ينبغي أن تأخذ أمر الله بعيدًا عن كل منفعة:
أيها الأخوة، أتمنى من كل قلبي أنكم كلما قرأتم في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
أن تعتقدوا اعتقادًا جازمًا أن هذا عقد إيماني بينك وبين الله، أي أنا آمرك بتنفيذ هذه الأمور بناء على معرفتك بي، بناء على إيمانك بي، بناء على استسلامك لي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
الآن توسع الناس في اعتقادهم أن الصلاة رياضة، وأن الوضوء منشط، وأن الصيام صحة، هذا كلام طيب، ولكن حينما تنطلق لتصلي من أجل تدريب جسمك على الحركات اللينة، وحينما تنطلق للتوضؤ كي تحس بالنشاط، وحينما تنطلق لتصوم من أجل أن تصح أجهزتك، أنت والله لا تعبد الله، ينبغي أن تأخذ أمر الله بعيدًا عن كل منفعة، وعن اتقاء كل مضرة، أن تأخذ أمر الله على أنه أمر، ولا مانع أن تأتيك الفوائد المادية من تطبيق هذا الأمر، لكن المنطلق هو أنك تعبد الله، المنطلق هو أنك تأتمر بأمر الله، المنطلق هو أنك تنتهي عما نهى الله عنه.