مثل آخر: قد تضع على الطاولة مسحوقًا من الملح، ومسحوقًا من السكر، ومسحوقًا من المواد المنظفة، المواد كلها جيدة، وثمينة، ولها قيمة في حياتنا، ما هو الشر؟ أن تضع مسحوق الغسيل في الطبخ، فلا تأكله! أو أن تضع الملح في الشاي فلا تشربه، أو أن تضع السكر لجلي الصحون، فلا يتم تنظيفها، فالشر سوء استخدام سلبي، وليس إيجابيًا، لذلك قالوا: الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الله ذات كاملة، لكن في مخلوق الله عز وجل خلقه، وكرمه، ومنحه حرية الاختيار، وأودع فيه الشهوات ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، أعطاه منهجًا هو الشرع الحكيم، وأعطاه عقلًا ليكون مقودًا له، عطل عقله، أو ألغى شرعه، أو ألغى عقله وشرعه، واندفع بشهواته اندفاعًا أعمى، لا بد من أن يقع بالعدوان، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تنطلق بقوة شهواتك من دون منهج وعقل دون أن تعتدي على الآخرين، وهذا الذي ترونه وتسمعونه كل يوم قوة طاغية وشهوات مستعرة واندفاع أعمى، فلا بد أن ينهبوا ثروات العالم، وأن يعيشوا على حساب بقية الشعوب، ولا بد أن يغتنوا على حساب الشعوب، ولا بد أن يطمئنوا على إخافة الشعوب، وأن يبنوا مجدهم على أنقاض الشعوب، مستحيل أن تندفع بقوة الشهوة من دون منهج، ومن دون مقود، ومن دون عقل يردعك، ومن دون منهج تسير عليه إلا أن ترتكب الجرائم تلو الجرائم دون أن تشعر، فالشر لا يكون إلا من مخلوق أعطي الاختيار، أودعت فيه الشهوات، ووضع له منهج، أعطي العقل، شهواته متحركة مندفعة اندفاعًا أعمى، عطل عقله، ولم يعبأ بالمنهج، واختار أن يروي شهواته تروية من دون أمر أو نهي، فكان الذي ترونه من فساد.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}
[سورة الروم: 41]
من يعزو الشر إلى الله يقع في عقيدة فاسدة: