من خصائص المؤمن أنه يثني على الله عز وجل ولا يزكي نفسه:
ذكرت في خطبة سابقة كختام لهذا الدرس أن الحصين بن سلام من أحد أكبر أحبار اليهود، علم أنه بعث رجل في مكة، وهو نبي هذه الأمة، عاد إلى التوراة فرأى صفاته منطبقة عليه، فكان ينتظره في المدينة، كان على رأس نخلة، فسمع من ينادي، ويقول: جاء محمد إلى المدينة، فصاح بأعلى صوته وهو على رأس النخلة: الله أكبر، قالت له عمته خالدة: والله لو أن موسى بن عمران أتى لما قلت أفضل من ذلك، قال: يا عمتاه إنه نبي، إنه أخو موسى بن عمران، إنه أتى بما أتى به موسى، فنزل، ودخل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأعلن الشهادة وأسلم، فقال له النبي: من أنت؟ قال: أنا الحصين بن سلام، قال: بل عبد الله بن سلام، قال: إذًا والله ما أحب أن يكون لي بهذا الاسم اسمًا آخر، أنا عبد الله بن سلام، بعد حين قال له: يا رسول الله اجمع قومي، وادعهم إلى الإسلام، واجعلني في إحدى حجرات البيت، فجمع النبي قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فرفضوا، فقال: ما تقولون في الحصين بن سلام؟ قالوا: هو سيدنا، وابن سيدنا، وحبرنا، وابن حبرنا، وعالمنا، وابن عالمنا، قال: أفرأيتم إذا أسلم، قالوا: معاذ الله أن يسلم، ما كان له أن يسلم، فخرج عبد الله بن سلام إليهم، وقال: لقد أسلمت، وهذا رسول الله، وصفته جاءت في التوراة والإنجيل، فقالوا: هذا جاهلنا وابن جاهلنا، وشرنا وابن شرنا، فقال لسيدنا رسول الله: يا رسول الله ألم أقل لك إن قومي أهل غدر وبهتان.
قلت هذا في خطبة إذاعية، وتوجهت إلى أخوتنا في الأراضي المحتلة وقلت لهم: هؤلاء اليهود قبل ألف وأربعمئة عام هذا شأنهم من قديم الزمان إلى الآن قوم غدر وبهتان، فالحديث في الأصل عن أهل الكتاب، إلا أن هذه الآية التي شرحتها، وهي قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}