تعصيه إلى أمد طويل دون أن ترى شيئًا مزعجًا، وممكن أن تطيعه إلى أمد طويل دون أن ترى شيئًا مريحًا، هذا هو الاختيار:
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
(سورة آل عمران: الآية 140)
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس
1 ـ امتحان النصر:
فهذه الدنيا ليست دار جزاء، قد تغتني فيها، وقد تفتقر، وأنت مؤمن، وقد تصح، وقد تمرض، وأنت مؤمن، بالمناسبة لحكمة أرادها الله عز وجل فهناك ابتلاءان كبيران يبتلى بهما المؤمنون، أول ابتلاء أنهم ينتصرون، وتغدو كلمتهم هي العليا، وأن الأمر بيدهم، وأنهم قادة، وأنهم سادة، هذا ابتلاء، فحينما يبتلى المؤمن بالنصر، والتمكين، والسيطرة، والعلو، فهناك مؤمنون تزل قدمهم، وينصرفون إلى اللهو، وهذا ما حدث لهؤلاء الذين فتحوا الأندلس، فتحوا هذه شبه الجزيرة ـ إسبانية ـ فتحوها، و أنشؤوا حضارة عريقة، مكن الله لهم في الأرض، ملكوا، وحكموا، واغتنوا، و كان هناك رخاء يفوق حد الخيال، ثم مالوا إلى الموشحات، وإلى الغناء، وإلى القيان، وإلى الجواري، فسلب الله ملكهم دَولةً دولةً، وكان آخر ملك من ملوك إسبانيا اسمه عبد الله الصغير، قالت له أمه:
ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال
لما مالوا إلى اللهو سلب الملك منهم، قال بعض الشعراء:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
و هذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
أول امتحان أن الله يمكن المؤمنين، قد تزل قدمهم، قد ينصرفون إلى اللهو.