بينت لكم أيها الإخوة، أن هناك مصائب تصيب الأنبياء، إنها من نوع خاص مصائب الكشف، لأنهم ينطوون على كمال لا يمكن أن يظهر إلا في مثل هذه الحالات، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما تأتيه شدة كهذه الشدة هو قدوتنا، هو مثلُنا الأعلى، فأيُّ مؤمن إلى يوم القيامة أصابته شدة فله أُسوة برسول الله عليه الصلاة والسلام، أي أن يكون النبي في هذه الشدة الشديدة هذا هو قدوتنا، وهو أُسوتنا، وهو مثلُنا الأعلى، فحينما يُصاب أحدنا بمصيبة في الدنيا يجب أن يتلو قوله سبحانه وتعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(سورة الأحزاب: الآية 21)
أنا لا أتمنى الشدائد، لكن لا بد أن تكون هناك امتحانات صعبة للذي يطمح إلى مراتب عليَّة في الآخرة، إن أردت الآخرة فادفع ثمنها:
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}
(سورة الأحزاب: الآية 11)
فسقط النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الحفر فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة حتى قام، ومصَّ الدم من جرحه مالك بن سنان الخدري، والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من حِلَق المِخفَر في وجهه صلى الله عليه وسلم، أي حلقتان من حلقات الدرع، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح، فسقطت ثنيتاه فصار أهثم، أبو عبيدة انتزع حلقتين من حلقات المِخفر غرستا في وجنة النبي صلى الله عليه وسلم، انتزعهما بأسنانه فأصبح أهثم، ولحق المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرَّ دونه نفر من المسلمين فقُتِلوا كلهم. أذكركم بما قلت لكم في الدرس الماضي من أنّ أصحاب النبي دفعوا ثمن هذا الدين باهظًا حتى وصل إلينا، إلى بلادنا، هم فتحوا هذه البلاد، ونشروا الحق في الخافِقَين، هم بذلوا دماءهم، وبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس حتى وصل هذا الدين إلينا، ولولا جهادهم واستشهادهم لكانت هذه البلاد تابعة لبلاد أخرى.