قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء، وقوله: وتنْزِعُ الملك ممن تشاء، بِنَظَر الناس شرّ، وتُعِزُّ من تشاء خير، وتُذِلُّ من تشاء شرّ، لكن إيتاءُ المُلك ونَزْعُ المُلك، والإعْزازُ والإذْلال كُلُّها خير عند الخبير والعليم والحكيم والمُعالج، وعند الذي خلقك للآخرة، وعند الذي أعدَّ لك ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلب بشر، وعند الذي خلقك من أجْله، فآثَرْتَ أنْ تكون من أجل عباده، فأذاقَكَ الله بأسَهُم، فإما أنْ تكون عَبْدًا لله، وإما أنْ تكون عَبْدًا لِبشرٍ لئيم، فاخْتَرْ! ولا بد من العُبودِيَّة، إما أنْ تكون عَبْدًا لله، فَعَبْدُ الله حُرٌّ وعزيزٌ وكريم، وإما أنْ تكون عبْدًا لِعَبْدٍ لئيم، واللهِ والله مرَّتَيْن لَحَفْرُ بِئْرَيْن بِإبْرَتَيْن وكَنْسُ أرض الحِجاز في يوْمٍ عاِصفٍ بِريشَتَين، ونقْلُ بَحْرَيْن زاخِرَيْن إلى أرض الصعيد بِمِنْخَلَيْن، وغَسْلُ عَبْدَيْن أسْوَدَيْن حتى يصيراَ أبيَضَيْن أهْوَنُ عليَّ من طلب حاجَةٍ من لئيمٍ لِوَفاءِ دَيْن، إما أنْ تكون عَبْدًا لله، أو عَبْدًا لِبشرٍ لئيم؛ إنْ أحْسَنْتَ لم يقْبل، وإن أسأتَ لم يقْبل، إنْ رأى خيرًا دَفَنَهُ، وإن رأى شَرًّا أذاعه:
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ِ}
من هؤلاء، ولَعَلي أتيْتُ على بعض النواحي الدقيقة في هذا الموضوع، الشرّ نِسْبي، هو عندك شرّ، أما عند الله فهو خير، كما أنَّ الطِّفل يبْكي ويضْطرب إذا علِمَ أنَّ الطبيب سَيُعْطيه إبرة، مع أنَّ هذه الإبرة لِصالِحِه ولِتَسْكين ألَمِه، وإزالَةِ الالْتِهاب، فَعِنْدَ الطفل هذه الإبرة شرّ، أما عند الأب فهي خير.
اليسر إيجابي، وأما الشرّ فهو طارئ، والشرّ ناتِجٌ عن غفلة، وتجاوز حُدود، وعن سوء اسْتِعمال، لذلك قال بعْضهم في قوله تعالى: