فالعِبْرة أنْ ترى أَحَدِيَّتَهُ ولا سِواه، أما بالنظْرة القاصِرة فَهُناك آلاف مُؤلَّفة من الشركاء، عندها كُلُّ إنسانٍ إنْ تكلَّم معك كلمتين خفتَ منه، أمَّا إذا رأيْتَ أَحَدِيَّتَهُ اِعْتَزَزْتَ بِعَظيم، في نفْس المؤمن عِزَّة لا يعْلَمُها إلا الله، وهذه العِزَّة أتَتْهُ من التوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد، لذلك الإخلاص ليس أن تذهب إلى صَوْمَعَةٍ وتعبد الله هناك، هذا لا يريدهُ الله سبحانه وتعالى، هذا اسمه اِنْعِزال وانْسِحاب وهُروب من الحياة، أما إذا خُضْت غِمار الحياة، وكنت خليفة الله في الأرض، وطَبَّقْتَ شرْع الله، وامْتَثَلْتَ أمْرَهُ، وانْتَهَيْتَ عما نهى، وسِرْتَ بِنُوره، وأَقَمْتَ ميزانه، فقد حقَّقْتَ إنْسانِيَّتَك في الأرض، قال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
[سورة البقرة: 30]
يُقيمُ الحق، ويعْدِل بين الخلق، يرْحم الضعيف ويُوَقِّرُ الكبير، هذا هو الإنسان الذي استخلفه الله سبحانه.
قال بعضُهم في قوله تعالى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ}
ما معنى الصَّمَد؟ قال: إنَّهُ المُسْتَغْني عن كُلِّ أحد، والمُحْتاجُ إليه كُلُّ أحد، والصَّمَد المقْصود في الرغائِب، والمُسْتعان عند المصائِب، وهو يفْعل ما يشاء ويحْكم ما يريد، وهو الكامل الذي لا عَيْب فيه، وهو الذي لا أحد فوقهُ.
فالله سبحانه وتعالى أحَدِيٌّ في أسْمائِهِ، صَمَدِيٌّ فيها، فلا أحَدَ يُشارِكُهُ فيها، وأسْماؤُه نابِعَةٌ من ذاته، وليْسَت من جِهَةٍ أُخْرى، هذا هو معنى قوله تعالى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ}