جاء ملِك إلى الكعبة المشرَّفة يطوف، فَطَلَب أحد علمائِها الكبار، فلما الْتَقى به قال: سَلْني كُلَّ حاجة، فقال: والله إنِّي أسْتَحي أنْ أسْألها غير الله وأنا في بَيْتِ الله، لكني أقول: اِحْمِني من النار، فقال له الملك: هذه لا امْلِكُها، فقال له: إذًا ليس لي عندك حاجة، سيّدنا أبو حنيفة دخل على المنصور، فقال له المنصور: يا أبا حنيفة تَغَشاَّنا، أيْ زورنا، فنأْنسَ بك ونتبارك بك، أنت الإمام الأعظم، قال: ولِمَ أتَغَشَّاكم وليس لي عندكم شيء أخافُكم عليه؟! وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء، معنى أحد ألاّ ترى إلا الله، وبه تصيرُ عزيزًا، فإن رأيْتَ مع الله أحدًا فلا بدَّ أن تخاف منه، ولا بدّ أن ترْجوه وتُنافق له، أما إنْ رأيْتَ الله عز وجل وليس معه أحد كنت عزيزًا، وعلامة المؤمن عِزَّتُه، وشَرَفُ المؤمن قِيامُهُ بالليل، وعِزُّهُ اسْتِغناؤُهُ عن الناس، أحْيانًا الإنسان يُعَلِّق آماله بِزَوْجَتِهِ فإذا به يخيبُ ظنُّه، ويُعَلِّق آماله بابنه فإذا به يسافر ويتزوَّج ويتجنَّس ويبْقى بأوروبا! فهذا ما رأى الأحَدِيَّة، إنما رأى ابنه هو المُعِين، إذا رأيْتَ الله سبحانه وتعالى أحدًا ولا شيء معه فهذه رؤْية عميقة، وبهذه العَيْن ترى معه آلاف الشُّركاء، فلان وفلان، لكنَّك إذا رأَيْتَ الله وحْدَهُ تَحَرَّرْتَ من كُلِّ قَيْد، قَيْد الذُلَّ والخوف والطَّمَع والمُداهَنَة، وإذا رأيت أَحَدِيَّتَهُ وحْده فلن تُطِيع معه جِهَةً أُخْرى، لا طاعة لِمَخْلوقٍ في مَعْصِيَة الخالق، وإذا عَرَفْتَ أَحَدِيَّتَهُ اتَّجَهْت إليه وحْدَهُ، إقْبالكَ عليه لا على جِهَةٍ أُخْرى، وَمَوَدَّتُك إليه لا إلى سِواهُ، ورَغْبَتُك إليه لا إلى سِواه واتَّجَهْتَ إليه وحْده، كما أنَّك إنْ وَحَّدْتَهُ تلَقَّيْتَ عنه الشَّرْع والقِيَم والتّصَوُّرات والأُسُس، إذْ لا مصْدر آخر لك، أما المُشركون فيرون العالم الفُلاني والكتاب الفُلاني والمؤلَّف