مَعْنى (أحد) دقيقة جدًا، كم هناك من قِوى تبْدو على السَّطْح وهي كُلُّها لا تعْني شيئًا، وليس إلا الله، هناك قُوَّتان عظيمتان تمْلِكان سِلاحًا نَوَوِيًا، فَبِحَسَبِ الظاهر أنَّ مصير العالم بِيَدِهِما، قال تعالى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
هو القَوِيّ، قال تعالى:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
[سورة يونس: 24]
إنْ رأيْتَهُ أحَدًا في أسْمائِهِ ورُبوبِيَّتِه وصفاته وفي وُجوده وأُلوهِيَّتِه وفي تَصَرُّفِهِ وغِناه قَطَعْتَ الآمال عمن سِواه، وتَحَرَّرْتَ من القُيود التي أصْلها الرغْبة والرَّهْبة، وهذه هي حال الكَشْف! شَهِدْتَ الله في كُلِّ شيء.
وفي كُلِّ شيء له آيةٌ ... تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدٌ
فإذا شَهِدْتَ أحَدِيَّتَهُ واسْتَغْرَقْتَ بها سَعِدْتَ في الدنيا والآخرة، أيْ مفتاحُ السعادة كُلِّها أنْ تشْهَدَ أَحَديَّتَهُ، وأنْ تشْهَدَهُ واحِدًا لا مثيل له، ولا مُشابِهَ له، ولا شريك له، ولا مُقارب له، فإذا شَهِدْتَ هذه المُشاهَدَة ملكْتَ حالًا لا يعْرِفُها إلا من ذاقَها، هذه الحال هي الطمأنينة، إنَّ الله يُعْطي الصِحَّة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلْقِهِ، ولَكِنَّهُ يُعْطي السكينة بِقَدَرٍ لأْصْفِيائِه من المؤمنين، السكينة التي في قلب المؤمن طمأنينة لو وُزِّعَت على أهْل الأرض لَكَفَتْهُم، فلا يرى إلا الله عز وجل، ولا يخاف إلا من الله، ولا يرْجو إلا الله، ولا يرْغب إلا فيمَا عند الله.