فهذه في الدنيا، أولًا: تَبَّ وخسر أبو لهب المعركة مع رسول الله،، والدعوة انتشرت، والإسلام عمّ الأرض، والنبي صلى الله عليه وسلم رفعه الله إلى أعلى عليين، وسقط أبو لهب في وحل الدنيا، وكان ذكره قميئًا يبعث الاشمئزاز والاحتقار، لقد خسر أبو لهب المعركة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الخسارة ليست بشيء، إنه خسر دنياه التي هي فرصته الوحيدة لسعادته الأبدية:
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
أولُ (تَبَّ) خسر المعركة، و (تبَّ) الثانية خسر حياته، فإذا انتقل إلى الدار الآخرة سيصلى نارًا ذات لهب، هذا مصير كل من يعادي الحق، وكل من يضع نفسه ضد الدين أو ضد الهدى الإلهي.
قال تعالى:
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} .
أما كلمة (تبت) بالماضي، فلما نزلت هذه السورة كان أبو لهب حيًا يُرزق وربما استهزأ بها، أنا خسرت!! مال عريض، وجاه كبير، وزعامة في قريش، فكيف خسر؟ قال العلماء: إن التعبير بالماضي من قِبَلِ الله عز وجل على شيء لم يحدث بعدُ إنما هو من باب تحقُّق الوقوع. إذا نظر شخص إلى ابنه وهو يهمل دراسته، ولا يبالي لا بوظيفة يكتبها، ولا بدرس يحفظه، ولا بدوام يباشره، فبحسب خبرة الأب يقول: خسر ابني، والابن لا يشعر بهذه الخسارة إلا بعد حين، فالله سبحانه وتعالى رآه معرضًا، معاديًا، مبغضًا، فقال: (تبَّت) ، وظن أبو لهب حينما تُليت عليه هذه السورة أو بلغت مسامعه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يهجوه بالشعر، فقال: أَقُلتَ فيَّ شعرًا، فقال سيدنا الصديق رضي الله عنه: لا والله، ما قال فيك شعرًا، النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول شعرًا، لقد ظنه شعرًا.
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
أصبحت واضحة، المعنى الأوجَه؛ تبَّت الأولى: خسر المعركة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتبَّت الثانية: خسر حياته كلها، وهي أثمن شيء عند الإنسان، وفرصة وحيدة لا تعوض.