لا تلعن الدنيا، كل سعادتك الأبدية تبدأ من الدنيا، وثمنها الدنيا، والبحث يطول، في الدنيا تتعرف إلى الله، كيف تعرفه، لو لم يخلق لك شمسًا وقمرًا وجبالًا وبحارًا وأنهارًا وطعامًا وشرابًا وفواكه وأزهارًا ونباتات وأشجارًا، كيف تعرفه؟ كيف تعرفه لو لم يخلق لك من صلبك ابنًا يشبهك تحبه ويؤنسك؟ كيف تعرفه لو لم يخلق لك من نفسك زوجة تسكن إليها، وجعل بينك وبينها مودة ورحمة؟ كيف تعرفه؟ لا تعرفه إلا في الدنيا.
كيف تتقرب منه؟ بالدنيا، ببذل المال، بالخوف منه، بالخوف من مال حرام، فبالترفع عن المال الحرام ترقى، وأخذ المال الحلال ترقى به، وإنفاق المال الحلال ترقى به، وغض البصر عن محارم الله ترقى به، والنظر إلى زوجتك ترقى بهذه النظرة، جبرت خاطرها بهذه النظرة، هناك أشخاص لؤماء، يبذلون كل مودتهم لغير زوجاتهم، فإذا دخل البيت صار عبوسًا قمطريرًا، هؤلاء يحاسبون، هذه مَن لها غيرك؟ لماذا المودة البالغة لأختها؟ لماذا اللطف الشديد لقريباتها؟ لماذا النعومة خارج المنزل والفظاظة والغلظة داخله؟ أبواب الجنة كلها في الدنيا مفتحة، فإذا أتقنت عملك ترقى به، وإذا نصحت المسلمين ترقى، وإذا اعتدلت بالسعر فلم تسهم في رفع الأسعار والتضييق على الناس ترقى، وإذا نفذت وعدك ترقى، وفي كل حركة من حركاتك، وكل سكنة من سكناتك، قال تعالى:
{وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
[سورة التوبة: 121]