فما الفرق بينهما؟ لا فرق! قال بعض المُفَسِرين: هو التَّكْرار، وهو تَكْرار التَّهْويل والتعظيم، وقال بعضُهم الآخر: (لا أعبُدُ) هذا فِعْلٌ مُضارع، ولا أنا عابِدٌ هذه اسمُ فاعل، وشَتانَ بين الكلمتين، فإذا قلتَ: لا أعبد، فأنا أنْفي عن نفْسي فِعْل العِبادة، ولكن إذا قلت: ولا (أنا عابد) ، فأنا أنْفي عن نفْسي إمْكانِيَّة العِبادة، كأن تقول: فُلانٌ لم يسْرِق، فأنت هنا نَفَيْتَ عنه فِعْلَ السرقة، أما إذا قلتَ: ما هو بِسارِق فقد نَفَيْتَ عنهُ إمْكانِيَّة السَّرِقة، فلا يُعْقَلُ أنْ يسرِق، فاسمُ الفاعل أشَدُّ في النَّفْي من الفِعْل المُضارع، فله معنى الاسْتِمْرار، مثلًا أنا أكتب، يُمْكن أنْ أكْتُبَ مَرَّةً في ِحِياتي، فَيُقال: أنا أكتُب، فعل مُضارع، أما أنا كاتب، فَهِيَ تعْني أنَّ مِهْنتي الكِتابة، فربنا عز وجل قال:
{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}
وفي الثانِيَة:
{وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ}
فلا أعبد آلِهَتَكم، وليس عندي إمْكانٌ إطْلاقًا أنْ أعْبُدها، لا أعبُدها ولن أعْبُدها! فالإمْكانِيَّة مُنْعَدِمة، فالأوَّل نَفَيْنا به الفِعْل، وفي الثاني نَفَيْنا الإمْكانِيَّة؛ هذا معْنى آخر من معاني التَّكْرار.
المعْنى الثالث: قوله تعالى:
{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}
وقوله:
{وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ}
(ما) الأولى اسم موصول، أيْ لا أعبدُ الذي تعْبدون، و (ما) الثانِيَة مَصْدَرِيَّة، أيْ ولا أنا عابدٌ عبادَتَكم، فكيف أصبح المعنى؟ أيْ: أنا لا أعبد الذي تعْبدونه، وليْسَتْ عبادَتي كَعِبادَتِكم؛ فلماذا وكيف؟! عبادتي فيها صِدْقٌ وإخْلاص، أما عِبادتكم ففيها الشِّرْك والنِّفاق، نَفَيْنا أنْ نعبدَ ما يعْبدون، ونَفَيْنا أنْ نعبد آلِهَتَهم كَعِبادَتِهم بِإشْراكٍ ونِفاقٍ ودَجَلٍ، وما سِوى ذلك.
وهناك معنى رابع: وهو قوله تعالى:
{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}