فهرس الكتاب

الصفحة 21900 من 22028

ما معنى هذه الآية؟ يبْدو أنَّ هذا من باب المعاني المُطْلقة، لكِنَّنا إذا أردْنا أن نُقَيِّد هذه السورة بِأسْباب نُزولها، فقد ورد في بعض التفاسير أنَّ المُشْركين جاءوا للنبي عليه الصلاة والسلام وقالوا له: يا محمَّد، هَلُمَّ فَلْنَعْبُد ما تعبد، وتَعْبُد ما نعْبُد! - مُشاركة وأنصاف حُلول - ونَشْتَرك نحن وأنت في أمْرنا كُلِّه، فإنْ كان الذي جِئْتَ به خيرًا مما في أيْدينا شارَكْناك فيه وأخَذْنا بِحَظِّنا منه، وإنْ كان الذي بِأَيْدينا خيرًا مما بِيَدِك كنت قد شَرِكْتنا في أمْرنا، وأخَذْتَ بِحَظِّكَ منه، قال تعالى:

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ*وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ*وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ*وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ*لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}

إذا أردنا توْجيهَ هذه الآيات بِحَسَبِ نُزولِها، فَهُناك لِقاءٌ تمَّ بين كبار المُشْركين وبين النبي عليه الصلاة والسلام على أن تكون بينهما هُدْنَة وتَعايُشٌ سِلْمي - كما يقولون -نَعْبُد ما تعْبد وتعبدُ ما نعبد!

تَوْجيهٌ آخر مما توحي به هذه السورة، أنَّهُ لا يسْتطيعُ الواحدُ منا أنْ يصِلَ إلى الإيمان الحق إلا إذا تَمَيَّزَ عن الكُفار، فما دام يعيشُ معهم، ويحْضُر نَدَواتِهم، ويذْهَبُ معهم إلى مُتَنَزَّهاتِهم، ويُعامِلُهم ويُحِبُّهم ويُحِبُّونه، ويأخُذ منهم ويُعْطونه، ويُشارِكُهم بأمواله، ويُزَوِّجُهم ويتَزَوَّجُ منهم، عندئِذٍ لن يكون مؤمنًا، فلا بدَّ من التمايُز، ولا بد للمؤمن أن يكون في حيِّزٍ مُسْتَقِلّ، لأنَّ له عاداتُه وقِيَمُهُ وورَعُهُ وطُموحُهُ، قال تعالى:

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}

إذا أردْنا أن نأخذ هذه السورة كَتَوْجيهٍ إليْنا نحن فلا بُدَّ من التمايُز، قال تعالى:

{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت