حينما تتحرك لمصالحك لا لقناعاتك، حينما تؤثر الدنيا على الآخرة، حينما تؤثر المال على كلمة الحق، حينما تكون كلمة الحق صعبة عليك فتسكت، حينما يكون النطق بالباطل تمهيدًا لمصالحك، تنطق بالباطل.
والله لو ذهبنا بالحديث عن حالات استخدام هذه الآية لوجدناها لا تعد ولا تحصى، وما أكثر المسلمين الذين وقعوا في هذه الحالة، وتنطبق عليهم هذه الآية.
لمجرد أن تختار إنسانًا في عمل، وفي رعيته من هو أرضى لله منه، فهذه خيانة، هذا الإنسان لك منه بعض المنافع، آثرته على إنسان كفء، حينما لا تأتي بأفضل أنواع المعامل، تختار أسوأها، من أجل مكسب مادي ينالك فقد خنت الأمانة، الآية واسعة جدًا، أنت خنت القيم، خنت المنهج الإلهي، خنت المبادئ التي ينبغي أن تؤمن بها، هذا المعنى العام:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}
هناك قيم، ومبادئ، ودين، ودنيا، ومصالح، إن آثرت المصلحة على المبدأ، إن آثرت الشهوة على القيمة، إن آثرت الدنيا على الآخرة، فهذا معنًا موسع لهذه الآية، لكن هنا:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ}
الإنسان يشتري سلعة فينتفع بها مباشرة، أما حينما يشتري ثمنًا فهذا مغبون مائة بالمائة، لأن الثمن لا يباع، ولا يشترى، الإنسان في سابق العصور كان يقايض سلعة بسلعة، منافع بمنافع، يأخذ قماشًا، ويعطي قمحًا، هذه مقايضة، أما الشراء فتشتري القمح بالمال، وتبيع القماش بالمال، فالمال وسيط، المال ثمن، وليس سلعة، ففي أصل التشريع الإسلامي الثمن لا يمكن المتاجرة به، لا يمكن أن يعامل كالمنافع يتاجر بها، عندئذٍ يلد المالُ المالَ، وحينما يلد المالُ المالَ تهلك الأمة، لأن الأموال سوف تجتمع في الأيدي القليلة، وسوف تحرم منها الكثرة الكثيرة.