فهرس الكتاب

الصفحة 21869 من 22028

فربنا عز وجل عرض عطاء غير متناهٍ، عطاء كبيرًا جدًا، بل هو أعظم عطاء عرضه على الخلق كلهم، فأبوا، والملائكة خافوا من الأمانة، فملّكوا أنفسهم لله عز وجل، يسبحون له لا يفترون، والحيوانات خافوا من الأمانة، طلبوا الدنيا من دون مسؤولية، فكان لهم ما أرادوا، يعيشون لشهواتهم من دون حساب، وأما الإنس والجن فقد قبلا الأمانة وتحملاها، فما هي الأمانة؟ عطاء لا حدود له، ولكن له ثمن باهظ، فما هو الثمن الباهظ؟ أن يأتي الإنسان إلى الدنيا، وقد ركبت فيه الشهوات وأعطي الفكر، وخلق الله الكون كي يتعرف إليه.

كونٌ يعرِّفه بالله، وفكرٌ هو أداة المعرفة، ونفسٌ فيها شهوات تعينه على الرقي إلى الله عز وجل، فبالفكر يَعرِفُ، وبالشهوة يرقَى، فإذا فكر في الكون عرف الله، فإذا آثر رضاء الله على شهوته ارتقى إلى الله، فسبيل السعادة الأبدية غير متناهية، أن يُركَّب في الإنسان شهوة وفكر، وكون دال على أسمائه الحسنى، فإذا جاء الإنسان إلى الدنيا وفكّر في الكون وعرف الله عز وجل، واستقام على أمره، وآثر ما يرضي الله على ما يرضي شهواته ارتقى، فإذا جاء يوم القيامة سعد بهذا العمل إلى الأبد، فما هو العمل؟ قال تعالى:

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}

[سورة النازعات: 40 - 41]

أنت أيها الإنسان مخلوق عُرضت عليك الأمانة وقبلتها، ومعنى قبلتها قبلت أن تأتي إلى الدنيا، وقد رُكِّبتْ فيك الشهوات، ومنحت الفكر، وسخر الله لك ما في السماوات والأرض لخدمتك، ولأجل أن تعرف الله من خلال خلق السماوات والأرض، فمن فكّر في الكون، وعمل الصالحات تقربًا إلى الله استحق هذا العرض الثمين، قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت