القاضي بشر ويجْتهدُ أنْ يُصيب لكنَّ ميزان القاضي قد لا يكون كميزان الله عز وجل، يَرْوي التاريخ أنَّ قاضِيًا تَوَجَّهَ إلى أحد الخلفاء وقال: يا أمير المؤمنين، أريدُ أنْ تُعْفِيَني من منْصِبِ القضاء! فقال الأمير: ولم؟ وليس في الأمةِ من هو أعْدل منك! فقال: والله لقد شاع بين الناس أنَّني أُحِبُّ الرُّطَبَ، وفي أحد الأيام طرق الباب رجلٌ وقدَّمَ لِخادِمي طبقًا من الرُّطَب، وجاءِني بها في بواكيرها - إذْ الفاكِهَة التي تأتي في وقتها مُحَبَّبة جدًا! فقال: ممن هذا؟! فقال الخادمُ رجُلٌ في الباب، فقال: صِفْهُ لي فلما وصَفَهُ له، عرف أنَّ هذا الرجل له قَضِيَّةٌ عنده فَرَدَّ الطبَقَ، وفي اليوم التالي جاء الرجُلان إلى مَجْلِسِ القاضي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اسْتَوَياَ في نظري - الخصْمان - على الرغْم من أنِّي رَدَدْتُ الطبق، فَكَيْفَ بي إذا أخَذْتُهُ! فهذا هو الإنسان مهما كان ميزانه حَسَنًا قد لا يسْتطيعُ تقْييم الحق مئة بالمئة، سيِّدُنا داوود حينما جاءَهُ مَلَكان على شكل رَجُلَيْن يخْتصِمان إليه، قال أحدهما:
{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}
[سورة ص: 23]
هذا النصّ دقيقٌ جدًا، كلمة: لي تِسْعٌ وتِسْعون نعْجَة، هذا الكلام لا علاقة له بِحَيْثِيات الدعوة، كان يجب أنْ يقول: إنَّ هذا أخي يُريدُ أنْ يأخذ نعْجتي، له كذا وكذا، كلُّ هذا الكلام خارج الموْضوع، إذا أراد فلانٌ من الناس أنْ يغْتَصِبَ شيئًا، فَهَل تدخُلُ في حَيْثِيات الدَّعْوة أمْلاكُهُ؟ لا علاقة لِهذا بِذاك، الاغْتِصابُ اغْتِصابٌ سواء كان المغتصِب فقيرًا أمْ غنِيًاّ! مع أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَل قال: إنَّ هذا أخي له تسعٌ وتِسْعون نعْجة ولي نعْجةٌ واحدة، هذا الكلام طرق مسامِعَ سيِّدنا داوود، فأدْخَلَها في حَيْثِيات الدَّعْوة وقال: