لو أن هذا الجنين غرق في بطن أمه يد من تستطيع أن تنقذه، الإنسان ما رأى ضعفه حينما كان جنينًا، ما رأى ضعفه حينما خرج من أضيق مكان، ما رأى ضعفه حينما كان طفلًا لا يستطيع تأمين قوته ولا رد الأذى عنه كيف كان مفتقرًا لأمه تطعمه وتسقيه وتنظفه وتدفع عنه الحر والقر، الآن طغى بعد أن كان رجلًا، بعد أن قوي عوده، بعد أن كثر ماله، بعد أن عز سلطانه يطغى، ألم يكن نطفة من ماء مهين.
الحقيقة في عتاب شديد؛ الآن تطغى؟ تذكر حينما كنت طفلًا، تذكر حينما كنت جنينًا، تذكر حينما كنت حيوانًا منويًا يسعى إلى البويضة، لو لم يصل إليها لما كنت أنت بهذا الحجم الكبير.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى}
الآن تطغى نسيت أصلك، خرجت من عورة إلى عورة وخرجت من عورة، من ماء مهين يستحي به صاحبه أن يُرى على ثيابه.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى}
أحيانًا يتجبر الإنسان في بيته، يهدد، يتوعد، يشعر الآخرين أن رزقهم في يده إن شاء قطعه عنهم، يشعر الآخرين أن بيده سعادتهم وشقاءهم هذا طغيان، من أنت؟ أنت عبد فقير، ماذا تفعل لو تجمدت نقطة دم في أحد الشرايين في الدماغ؟ إن جاءت نحو البصر فقد البصر، ونحو السمع فقد السمع، نحو الحركة أصبح مشلولًا، نحو الذاكرة فقد ذاكرته، يد من تدخل إلى الدماغ وتحرك هذا الدم دون أن يتجمد:
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى}
لو أصيب الإنسان بشلل ماذا يفعل؟ لو فقد سمعه، لو فقد بصره، لو فقد عضلة المثانة التي تضبط البول كيف يكون حاله بين الناس وفي بيته؟
الإنسان العاقل يرى أصله ويرى مصيره، مصيره إلى التراب يكون إنسانًا ملء السمع والبصر ثوان ويصبح أثرًا بعد عين، صار تحت التراب انتهى، وأُخذَت منه كل حاجاته؛ أمواله المنقولة وغير المنقولة.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى}