مع هذا العطاء الكبير ومع هذه الدرة الثمينة التي هي الفكر التي أودعها الله فينا بها نعرف وبها ندرك وبها نشعر وبها نوازن وبها نقارن ونستنتج ونستنبط، ومع هذه الدرة الثمينة التي هي الفكر مع هذا يطغى، معنى يطغى الإنسان أي يتجاوز حده الإنساني. القرآن مجمل والتفسير فيه تفصيلي، وبلاغته في إيجازه، وإعجازه في إيجازه، قال تعالى:
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى}
يتجاوز حده مع الناس قد يأخذ ما ليس له، قد ينظر إلى ما لا يحل له، قد يعتدي على شيء ليس في حوزته هذا طغيان، يطغى على جاره، يطغى على زوجته، يطغى على أخوته وعلى أبنائه وعلى من هم دونه، ويطغى على مرؤوسيه، يطغى على أبناء حيه.
قال تعالى:
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى}
لماذا يطغى؟ لأنه رآه فاستغنى، حينما يرى الإنسان نفسه مستغنيًا أي في أوج قوته، في أوج نشاطه، في غناه، إن كان قويًا أو غنيًا، شديدًا، صحيحًا أو متمتعًا بمكانة اجتماعية يطغى.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى}
هل يحق له ذلك؟ هل ينبغي له ذلك أن يطغى؟ أن يتجاوز حده الإنساني؟ هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن لا يطغى، الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن، مقيد يرى حجمه بالنسبة إلى هذا الكون العظيم، يرى حجمه حينما يرى ربه، عرف نفسه عرف ربه، فالمؤمن لا يطغى يقول إني أخاف الله رب العالمين، لكن غير المؤمن يطغى، يتجاوز الحد المعقول، يتجاوز الحد الإنساني، قد لا تروق له هذه الزوجة فيطلقها لأسباب تافهة هذا طغيان، جعلها مشردة قد تسقط في صحيفته، قد يطمع بالمال فيحمل ابنه على عمل السيئات من أجل تحصيل المال، هذا طغيان.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى}
لو الإنسان نظر إلى وضعه حينما كان جنينًا، قال تعالى:
{وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ}
[سورة يس: 43]