كان يعطف على الأرملة واليتيم، وكان يجلس جلسة العبد، وكانت المرأة الضعيفة تستوقفه في الطريق، فتكلمه فيقف معها طويلًا، ويستمع إليها، وقد رُوي أن امرأة جاءته فقالت: يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا صغيرة ذات مال وأهل، فلما كبرت سني، ونثرتُ بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فجعل النبي يبكي.
كان في قلبه رقة لذلك:
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}
فإنّ اسمك يا محمد اقترن مع اسمي، ومعنى رفعنا لك ذكرك أيضًا: الإنسان له ذكر، رافقْ إنسانًا ساعات يحدثك في التجارة، فهذا ذكره، وإنسان يحدثك بالبيوت فهذا ذكره، والمنحط يتحدث لك عن النساء فهذا ذكره. فكلما التقيت بإنسان فله ذكر معين، في التجارة، في الصناعة، في الرحلات، في ألوان الطعام، في موضوعات كثيرة، أما النبي عليه الصلاة والسلام فترَّفع عن هذه الموضوعات، ورفع الله له ذكره، فجعل ذكره مقدسًا.
كان حديث النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه، والذين هم عن اللغو معرضون، وكل ما سوى الله لغو.
المعنى الأول (رفعنا لك ذكرك) أي قرنت اسمك مع اسمي يا محمد.
المعنى الثاني جعلنا ذكرك عاليًا، ساميًا، اجلس مع الناس فبماذا يتحدثون؟
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً ) )
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
تلك موضوعات تبعث في النفس اليأس والحسد والغيرة والحقد والضغينة والبغضاء واليأس من رحمة الله، اجلس مع مؤمن فإنه يحدثك حديثًا آخر، فترتاح له، وتستبشر، وتطمئن، وتفرح، وقد تمضي ساعات طويلة ولا تشعر بالوقت.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}
جعلنا ذكرك عاليًا، وحديثَك مقدسًا، وجعلناك تهتم بمعالي الأمور لا بسفاسفها، هذا هو المعنى الثاني.