فما دام دخله وفيرًا، وبيته متسعًا، وحاجاته متوافرة فالناس لا شأن لهم عنده، هذه صفات أهل الدنيا، وصفات المعرضين عن الله عز وجل، لكن المؤمن يعنيه أخاه المؤمن، فكلما ارتقى إيمانه اتسعت دائرة اهتمامه، إنّ عامة الناس يعنيهم أبناؤهم فحسب، فإن كانوا أكرم من ذلك فيعنيهم أخوتهم الذكور والإناث، وإن كانوا أكرم من ذلك فقد يعنيهم قرابة ثالثة، وإن كانوا أكرم من ذلك فيعنيهم أبناء حيهم، وقد تعنيهم أبناء مدينتهم، وقد يعنيهم وطنهم، وقد تعنيهم أمتهم. لكن قمة ذلك أن تعنيهم الإنسانية جمعاء، لذلك هناك دول متقدمة تحقق لشعبها مستوىً معاشيًا جيدًا، ولكن على حساب شعوب أخرى، وهذه نظرة ليست إنسانية لأنهم يسببون آلامًا لا نهاية لها لبعض الشعوب، ويحققون لأفرادهم مستوىً معاشيًا رفيعًا، وهذه نظرة قاصرة، ونظرة لا تليق بالإنسان، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت نظرته إنسانية، قال تعالى:
{طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
[سورة طه: 1 - 2]
كان النبي عليه الصلاة والسلام متواصل الأحزان، كان الحزن يغلب عليه، لماذا؟ كيف تريد من أمٍّ أن تضحك ولها ابن معذب، ولها ابن مسافر، ولها ابن ذو عاهة، كيف تريدها أن تكون مسرورة؟ معظم الأمهات إذا كان أبناؤها مقدمين على امتحانٍ قريب تراهنّ مهمومات أكثر منهم، وذلك لِما في قلب الأم من الرحمة والحنان والعطف؟ وفي قلب النبي عليه الصلاة والسلام من الرحمة ما لا يصفه الواصفون لذلك حينما شرح الله عز وجل صدره للإسلام، وبيَّن له طريق الهداية أصابه سرور بالغ، فقال له تعالى مسليًّا إياه وممتنًا عليه:
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}
كنت في ضيق فمنّ الله عليك وشرح صدرك.