قال له سيدنا أبو ذر الغفاري لسيدنا عمر رضي الله عنهم: إنّ الناس يشكون شدتك، فبكى، وقال: واللهِ يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، حينما فكر النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بربه من خلال آيات الكون، ومن خلال الشمس والقمر، والليل والنهار، والحيوان والنبات، وخلق الإنسان، حينما فكر بآيات ربه تولد في نفسه خشية عظيمة، هذه الخشية حملته على طاعة الله عز وجل. طاعة الله عز وجل ولّدت في نفسه ثقةً جعلته يقبل على الله عز وجل، وهذا الإقبال العالي اشتق الكمال المتناهي، لذلك أكمل البشر هو المصطفى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
[سورة القلم: 4]
لكماله العالي الذي اشتقه من كمال الله عز وجل تألم على الخلق، وقد رآهم في ضياع، وفي بعد عن الله، وفي جهالة عمياء، وفي ضلال مبين، رأى قويهم يأكل ضعيفهم، ورآهم يقترفون الأثام، ويأتون الفواحش، يقطعون الرحم، ويسيئون الجوار، ويخونون الأمانة، رآهم في هلاك وفي ضياع، إنّ هذه الرؤية وهذا الكمال الذي انطوى عليه قلبه الشريف بسبب إقباله على الله، وبسبب استقامته، بسبب خشيته، بسبب تفكره بآيات الله جعله يفعم قلبه بالهم والحزن.