لأن المال هو القيمة المطلقة للأشياء، فبالمال تشتري بيتًا، وتتزوج، وتسافر، وتقتني سيارة، ويعظمك الناس، وتأكل أشهى الطعام، فالمال قيمة مطلقة، فإنْ أُعطِي الإنسان مبلغًا ضخمًا حَلَّ كل مشاكله به:
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}
كن هذا المُعرِض لا يغني عنه ماله إذا جاء الموت، فأين ماله؟ هذه الأموال الطائلة، وهذه البيوت، وهذه الوسائل المريحة في بيته إذا جاء ملك الموت ماذا تنفعه؟ هل غير القبر أمامه؟ وهل غير المثوى الأخير أمامه؟ وهل له غير هذه الحفرة الصغيرة؟
ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد انقضى رزقه، وانقطع أجله، ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، فيقول هذا الملك: فيم الفزع، وممَّ الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقًا، ولا قربت له أجلًا؟ وإنّ لي فيكم عودة، ثم عودة حتى لا أبقي فيكم أحدًا، فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، فإذا حمل على النعش رفرفت روحه فوق النعش، تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حلّه وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليَّ.
يقف عبدان يوم القيامة بين يدي ربهما، فيقول للأول:
(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئًا مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالًا فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظًا وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ) ).
[ورد في الأثر]
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}
إن الغنى والفقر بعد العرض على الله.