فهرس الكتاب

الصفحة 21423 من 22028

{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}

مهما قيل لك إنه لا يمكن لهذا السجين أن يهرب، وثاق شديد ولا يوثق وثاقه أحد.

المعنى الآخر، أن هذا العذاب لا يعذِّبه أحدٌ، إنما يعذِّب نفسه ندمًا:

(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر على مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ) )

[الحاكم وتعقب عن جابر]

إما أن تفهم هذه الآية على أن العذاب الذي يعذِّبه الله عزَّ وجل ليس في الأرض عذابٌ مثله، وأنَّ الوثاق الذي يوثقه الله عزَّ وجل ليس في الأرض وثاقٌ مثله. والمعنى الآخر أن هذا العذاب، إذا شخص بلغه نبأ في منتهى الألم ودعوناه بعد دقيقة للخروج إلى نزهة في بلدة بلودان، يقول لك: اتركني بهمّي، لم يحبسه أحد هو الذي حبس نفسه، من شدة الألم والهم قبع في البيت، من قيَّد وثاقه؟ لا أحد هو قيَّد نفسه، بل ألمه قيَّده.

فيوم القيامة، من معاني هذه الآية أنَّ شدة الندم وشدّة الألم وشدّة الحرقة تجعل صاحبها يتعذَّب عذابًا ذاتيًا فضلًا عن عذاب الله المادّي، ولا يُنكر عذاب الله المادي إلا كافر، ولا بدَّ من عذاب جهنَّم، ولكنَّ عذاب النفس قد يفوق عذاب جهنَّم. إذا أخذ أحد الطلاب قلمًا ليس له، وادَّعى الذي فقد القلم أنَّه قد فُقد له قلم، وهذا مثل من واقع الطلاَّب، وأغلق الباب وفُتِّش الطلاَّب طالبًا طالبًا، وهذا الذي أخذ القلم سرقةً له مكانته في الصف، مرموقٌ من قبل رفاقه، أُخرج القلم من جيبه، قبل أن نضربه، بماذا يُحسُّ هذا الطالب؟ يحسُّ أن الأرض ليتها تنشقُّ وتبلعه، ويحسّ بقشعريرة وبعرق، ويصبغ وجهه بالحمرة والخجل، هذا هو العذاب النفسي، قبل أن نعذِّبه، وقبل أن نضربه، وقبل أن نفصله، فإنه فقد اعتباره، وكذلك يوم القيامة عذاب جهنَّم حق، ولا بدَّ من عذاب النار، ولكن قد يكون عذاب النفس أشدّ من عذاب النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت