فهرس الكتاب

الصفحة 21411 من 22028

فيقول هو، هذه مقولته، هذا توهمه، هذا خطؤه، هذا تصوره. أي إذا كان أحدهم في دمشق بمركز المدينة، ولم يكن في جيبه نقود إطلاقًا، وفي البيت عنده آلاف مؤلفة، وذهب إلى بيته مشيًا على قدميه، هل يحس بالإهانة؟ لا، عنده مال، لأسبابٍ خاصة نسي أن يحضر المال معه، فذهب إلى البيت سيرًا على قدميه فليس ذلك إهانةً، وإذا منع الطبيب مريضه عن نوعٍ من الطعام، هل يرى نفسه مهانًا عند الطبيب؟ لا، لذلك الذي أرجوه أن يكون هذا المعنى واضحًا في أذهانكم، ليس عطائي إكرامًا، وليس منعي إهانةً، عطائي ابتلاء، ومنعي اجتباء أي تقريب ومعالجة. إن الله ليحمي صفيه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله يحمي عبده من الدنيا، كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة، ما أصاب عبدٌ مصيبة إلا بإحدى كلتين؛ بذنبٍ لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بدرجةٍ لم يكن الله ليبلِّغه إياها إلا بتلك المصيبة. أي لا بد منها، فكلما ازداد عقلك فهمت على ربك، الآن طبيب الأسنان إذا كان عنده طفل يعالجه، يبكي ويصيح، ويحرك يديه ورجليه، وقد يسبُّ الطبيب، أما الراشد فيجلس بهدوء، ولو كان في الوخز ألم، يتجشم الألم وفي نهاية الجلسة يصافح الطبيب ويشكره ويعطيه أجره، لماذا فعل الراشد هذا؟ وفعل الصغير هذا؟ الراشد لأنه راشد، والصغير لأنه جاهل، فالمؤمن حينما يعالجه الله عزَّ وجل يتلقى المعالجة بتفهم وصبر ورضى.

هذه الآية، استنبط منها العلماء شيئًا آخر، أن الإيمان كله نصفان، نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ، فإذا ابتلاك الله بالنعم فعليك أن تشكرها، وإذا ابتلى الله الإنسان بالنقم عليه أن يصبر، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

[سورة الأحزاب: 21]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت