والأرض فيها قوي وفيها ضعيف، فيها غني وفيها فقير، فيها صحيح وفيها مريض، فيها إنسان أُتيح له كلُّ شيء وإنسان لم يُتح له شيء، إذا كانت الحياة الدنيا هي كل شيء نقول: الخلق فيه نقص، ما ذنب هذا الذي حُرِم من نعمةٍ معيَّنة، ما ذنب هذا الذي حُرم نعمة الأولاد، لمَ حُرم هذا وأُعطي هذا؟ لمَ كان هذا قويًا وهذا ضعيفًا، لمَ كان هذا غنيًا وكان هذا فقيرًا؟ الحياة من دون آخرة لا يستقيم معناها ولا تكمُل، يأتي يوم الدين يحاسب الغني على ماله، من أين اكتسبه وفيم أنفقه، يحاسب الفقير أصبرت لوجه الله؟ هل دعاك فقرك إلى كسب مالٍ حرام أم تعفّفت؟ يحاسب القوي ماذا صنعت من أجل هؤلاء الضعاف الذين كانوا تحت رعايتك؟، يحاسب الضعيف هل أعنت الناس على حاجاتهم؟ فكل إنسان عندئذٍ يحاسب، فحينما تأتي النتائج في الآخرة متوافقةً مع المقدمات في الدنيا فهذه هي العدالة، ولذلك لا يمكن أن يستقيم معنى الحياة إلا بالإيمان باليوم الآخر.
عندما يعرض على الإنسان مبلغ كبير جدًا من أجل أن يخون ضميره إن كان طبيبًا مثلًا، أو كان محاميًا ويقول إني أخاف الله ربَّ العالمين، معاذ الله أن أفعل هذا، فإذا بقي هذا المتعفف فقيرًا وانتهت الحياة وليس بعد الحياة حياة ألا يُعدُّ هذا أحمق؟ لكن إذا كان هناك يومٌ آخر وكان هذا التعفف غالي الثمن وقبض هذا الذي قال: إني أخاف الله ربّ العالمين قبض سعادةً أبديةً لا تنتهي نقول: هذه هي العدالة، هذا الذي قال: إني أخاف الله ربّ العالمين، هذا المتعفف عن المال الحرام، هذا الذي أبى أن يخون ضميره، أبى أن يعمل خلاف قناعته، نقول له:
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}
[سورة الحاقة: 24]
قال تعالى: