أي الزوج، الأرض والقمر شفعٌ، والشمس وحدها وتر، لأن الارتباط دقيقٌ جدًا بين الشفع والوتر والليالي العشر والفجر، فالإنسان إن لم يجُل فكره في هذه الآيات كيف يعرفه؟ فالإنسان يعرف الأشياء بحواسّه، تعرف الحرارة بحاسّة اللمس، يقول لك: الطفل مفتِّر، عندك حاسة هذه معرفة مبكِّرة، ترى الشيء بعينك، تسمع صوته بأُذنك، تحسُّ وجوده بيديك، فالإنسان مزوَّد بحواس يتعرَّف بها على الأشياء، ولكنّه كيف يعرف الله سبحانه وتعالى؟ لا يعرفه إلا من خلال الفكر، الله سبحانه وتعالى بثَّ كونًا معجزًا وخلق فكرًا دقيقًا، فإذا أعملت هذا الفكر في هذا الكون عرفت الله عزَّ وجل، وإذا عرفت الله عرفت كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدّتني وجدت كل شيء، وإن فِتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء، عندما يذكر ربنا عزَّ وجل يذكر عناوين بعض الآيات الكونية، ألا تعرفون أو ألا تستنبطون معي أنَّه لا بدَّ من التفكُّر بها، أن هذه الموضوعات موضوعات للتفكُّر، أنَّك إذا أردت أن تعرف الله فهذه آياته.
إذا قال لك أحد الأشخاص: هل ترغب بغرفة نوم؟ فتقول له: طبعًا، فأنا أبحث عن غرفة متقنة جدًا، فقال لك: يوجد لديك هذان النجَّاران، عرض عليك شخصين واحدًا أسمر اللون والآخر أبيض، فقال لك: انتق أحدهما. وأنت تريد أن ترى صنعتهما أولًا، فأنت تطلب الصنعة وأن ترى غرفة نوم صنعها الأول وغرفة نوم صنعها الآخر، فتتفحَّصها وترى دقة الصنع، والانسجام في الألوان والمتانة، فأنت لديك مقاييس، فهل تعرف النجَّار من شكله؟ لا، بل من صنعته. كذلك ولله المثل الأعلى، الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، لا يدرك بالحواس، ولكن يدرك عن طريق التفكير، فالإنسان إذا فكَّر في مخلوقات الله عرف الله:
{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}
[سورة الذاريات: 20]