قال المفسرون: من شدة الخجل لا يستطيع أن ينظر للذي يعطيه الكتاب، وقال بعضهم الآخر: من شدة ازدرائه واحتقاره، فهذا الذي يعطيه الكتاب لا يحب أن ينظر إلى وجهه، هذا أو ذاك، فإما خجلًا وإما ازدراءً:
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا}
أي يقول: وا ثبوراهُ، أي لقد هلكت، الأعمق من ذلك أن هذا الذي يؤتَى كتابه وراء ظهره يدعو على نفسه أن يهلك:
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}
[سورة الزخرف: 77]
قال الشاعر المتنبي:
كفى بك داءً أنْ ترى الموت شافيَا ... وحسبُ المنايا أنْ يكُنَّ أمانيَا
أي أنت في حالةٍ تتمنى معها الموت، فما هي هذه الحالة؟ إنها أشدُّ من الموت.
كفى بك داءً أنْ ترى الموت شافيَا ... وحسبُ المنايا أنْ يكُنَّ أمانيَا
فهي حالةٌ لا تحتمل، شيءٌ لا يطاق أن تكون في حالةٍ تتمنى معها الموت، وأن يكون الموت أحبَّ إليك من الحياة، كذلك هذا الذي يؤتَى كتابه بشماله يوم القيامة يدعو ثبورًا، يدعو ربّه أن يهلكه، أي أن يفنيه، أن يدمره.
قال:
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا* وَيَصْلَى سَعِيرًا}
لذلك:
(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر على مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ) )
[الحاكم وتعقب عن جابر]
{فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا* وَيَصْلَى سَعِيرًا* إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}
فالفرق فرق بسيط ..
{وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}
أما هذا الثاني:
{إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}