إذًا كلمة"ويل"أي الهلاك، ومرةً فسرتها لكم كما لو أن سائقًا يهبط بسيارته في طريق منحدر شديد جدًا، على اليمين وادٍ سحيق وعلى اليسار وادٍ سحيق، وينتهي الطريق بمنعطف خطر، وشعر أن المكبح قد تعطل ولا زال منطلقًا، قد يضرب نفسه ويقول: انتهينا ومتنا. كلمة"ويل"أي تحقق الهلاك، وليس عنده شك ولا بنسبة واحد في المليون أنه انتهى، وقد رأى الوادي الأول والثاني، والسرعة مذهلة، والمنعطف خطير، وليس معه مكبح، فأصبح عنده يقينٌ قطعيٌّ، ولا مجال للشك إطلاقًا مِن أنه انتهى، أرأيتم الناس الذين في هذه الحالات، ومن دون وعي يستخدم أحدهم الفعل الماضي، فإنه يقولُ لك: هلكنا، قل سنهلك! لا، بل يقول لك: هلكنا، وقُضِي علينا، وبشكل لا شُعوري، هذه الفطرة، لقد أيقن بالهلاك.
قال بعض المفسرين: كلمة"ويل"دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين، وقال بعضهم: دعاء الله قرار، إما أنهم هلكوا، وإما أن الله قضى عليهم بالهلاَك، ودعاء الله عزَّ وجلَّ غير دعاءِ البشر، فدعاءُ البشر يُستجاب وربما لا يستجاب، لكن دعاء اللهِ قرارٌ قطعي ..
{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}
أي أن المطففين خسروا وهلكوا، وانتهى أمرهم، وكلٌ منا لا يزالُ حيًا، وما دام الإنسانُ حيًا فباب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) )
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]