الحقيقة حينما تؤمن باليوم الآخر لا بد أن تنعكس عندك المقاييس رأسًا على عقب، فتصور إنسانًا لم يؤمن باليوم الآخر، يرى التفوق في ابتزاز أموال الآخرين، وفي السيطرة عليهم، وفي استهلاك جهودهم، وفي الهيمنة عليهم، وحينما يؤمن باليوم الآخر تنعكس موازينه، فيرى التفوق في رعايتهم وخدمتهم ونفعهم والتواضع لهم وإعطائهم حقهم، لذلك ترى بونًا شاسعًا بين المؤمن والكافر، المؤمن يعطي، والكافر يأخذ، المؤمن يعيش للناس، والكافر يعيش الناس له، المؤمن كل همِّه أن يقف عند منهج الله عز وجل، والكافر لا يعبأ بمنهج الله، ويتحرك وفق شهوته، لذلك صنَّف الله عز وجل البشرَ إلى نموذجين على اختلاف مللهم، ونِحلهم، وعلى اختلاف أعراقهم، وأجناسهم، وألوانهم، ودياناتهم، قال تعالى:
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}
[سورة الليل: 5 - 6]
أي بنى المؤمنُ حياته على العطاء، وبناها الكافر على البخل:
{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ}
[سورة الليل: 8]
فأما مَن أعطى، وأما مَن بخل، أعطى واتقى أي اتقى أن يعصي الله عز وجل، والآخر بخل واستغنى عن طاعة الله، الأول:
{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}
[سورة الليل: 6]
صدَّق أنه مخلوق للجنة، وأن ثمن الجنة الانضباط والعطاء، والآخر:
{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}
[سورة الليل: 9]
فلما كفر بالحسنى استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على أن يأخذ ما عند الناس، لا أن يعطيهم شيئًا، لذلك أعطى الأنبياء كلَّ شيء، وأخَذَ الأقوياء كلَّ شيء، وملَكَ الأنبياءُ القلوب، ومَلَك الأقوياء الرقاب، فكان سلاح الأنبياء الكمال، وسلاح الأقوياء البطش، فلذلك الإيمان بالآخرة يعكس الموازين.