اثنين وجه أبيض، ووجه أسود، وجه ناظر إلى الله، ووجه مغبر، فمنهم شقي وسعيد، أهل الجنة وأهل النار، أهل الشقاء وأهل النعيم، الوجوه الناضرة والوجوه الباسرة، هذا التقسيم الحقيقي، وأي تقسيم آخر باطل، مؤمن وغير مؤمن، فقال: إن هؤلاء الطرف الثاني ينطوي تحته الكفار، المشركون، العصاة، الشاردون، المنافقون، الفجار، كل هؤلاء الملحدون طرف واحد، والمؤمنون طرف آخر، قال:
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)
يحبون الدنيا، الدنيا تمشي في دمائهم، تمشي في عروقهم، الدنيا هي كل شيء، هي نهاية المطاف، نهاية السعي، فمن ملكها ظن نفسه سعيدًا، ومن فاتته ظن نفسه شقيًا: {إن هؤلاء يحبون العاجلة} ولكن الله عز وجل أعظم، وأكرم، وأجل من أن يكون عطاءه محدودًا.
أيعقل أن يكون عطاء الله عز وجل ينتهي عند الموت؟ ليس عطاءً، فالدنيا أمامكم سباق أحمق، الغني يموت والفقير يموت، والموت ينهي الفقر والغنى، والقوي يموت، والضعيف يموت، والوسيم يموت، والدميم يموت، والصحيح يموت، والمريض يموت، والموت ينهي كل شيء، سباق أحمق، سباق سيارات طريق طويل ينتهي بقاطع مائة متر، حفرة سحيقة، فأقوى سيارة تسقط، وأضعف سيارة تسقط، وأحدث سيارة تسقط، وأقدم سيارة تسقط، كل ينتهي للقبر، ينزل عالم، ينزل جاهل، ينزل غني كبير، ينزل فقير، ينزل شقي، ينزل سعيد، القبور تجمع كل البشر.
فلذلك: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا} يوم الحساب.