فلو أب عالِم وله ابن يعلِّق عليه أمالًا كبيرة، ويحرص على تفوقه الدراسي حرصًا لا حدود له، هذا الابن دخل الامتحان ونال صفر بالرياضيات، فالأب امتلأ غيظًا من ابنه على إهماله فأراد أن يؤدِّبه تأديبًا شديدًا، نظر إلى ابنه الذي سيؤدِّبه على تقصيره رآه مُصْفَرَّ اللون، لم يأكل الطعام، أصابه همٌ شديد، معه مبلغٌ بسيط جمعه في العيد، أراد أن يأخذ درسًا خصوصيًا في الرياضيات (من هذا المبلغ الذي معه) . فلما رأى الأبُ ابنه على هذا الحال اهتم اهتمامًا شديدًا، تألم ألمًا شديدًا، خاف خوفًا شديدًا، ولم يأكل، ولم ينام، وسينفق كل شيء ملكه على دروس خصوصية مثلًا، فهذا الموقف جعل الأب يؤخِّر تأديبه، لذلك:
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
فلو كان هناك خطأ لا سمح الله ولا قدر، مع الغلط في ندم، مع الندم توجد توبة، يوجد استغفار، و يوجد رجاء من الله عزَّ وجل، و تذلل، و بكاء، أيضًا أنت في بحبوحةٍ ثانية، بحبوحة الطاعة، وبحبوحة الاستغفار، وهذا المعنى الدقيق لقوله تعالى:
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)
فالنفس؛ نفس مطمئنة، ونفس لوامة، أما النفس الثالثة الأمارة بالسوء، أقول لكم مرة ثانية: إياكم، ثم إياكم، ثم إياكم أن تعتقدوا أن الله خلقها أمَّارةً بالسوء، لو أن الله خلقها أمارةً بالسوء ما ذنبها؟ ليس لها ذنب، وما حيلتها؟
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء