أما العاقل فينظر إلى ساعة فراق الدنيا وهو في القبر، عندما يسأله الله لماذا طلقت زوجتك؟ و لماذا أكلت هذا المال الحرام؟ و لماذا ابتززت أموال الناس؟ ولماذا كذبت عليهم؟ لماذا احتلت عليهم؟ فامتحن عقلك بتعاملك مع التحذير البياني، أما تعاملك مع الخطر الحقيقي الذي أمامك فلا يحتاج إلى عقل، فما هو العقل؟ قال بعض من عرَّفه: هو أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، فمتى يصلح أكثر الناس مدافئهم؟ عند البرد -وأنا واحد منهم - لكن الإنسان أحيانًا قد يهئ الأمور كلها وهو في شهر الصيف، فكل إنسان يتعامل مع الخطر حين وقوعه يكون ذا تفكير ضعيف.
{حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ}
فيقول: الآن جاءت المشكلة، جاءت المصيبة، جاء الوعيد.
{فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا}
اعرف قبل فوات الأوان، و لا تعرف بعد فوات الأوان، وقد قال تعالى: سيعلمون، و يستنبط من هذه الآية أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، لا خيار قبول أو رفض، لأن أكفر كفار الأرض فرعون آمن عند الموت، فقال:
{قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
(سورة يونس)
فالذي جاء به الأنبياء والرسل والدعاة الصادقون سوف نعرفه جميعًا حتمًا عند الموت، لكن هذه المعرفة لا قيمة لها إطلاقًا بل تزيد الإنسان ندمًا، فالمعرفة المفيدة تكون قبل فوات الأوان.
فلو قدَّم أحد الأشخاص فحصًا وأخذ صفرًا في الامتحان، فذهب إلى البيت وفتح الكتاب فعرف الجواب، فقدَّم طلبًا يقول: نظرًا لمعرفتي الجواب بعد الامتحان يرجى إدراج اسمي مع الناجحين، إن هذا كلام مضحك، لأن كل طالب رسب يعرف الجواب بعد الامتحان، لكن العبرة في أن تعرفه وأنت على مقعد الامتحان في الوقت المناسب، وهذه كلمة دقيقة.
{حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا}