أيها الإخوة الكرام ... قال العلماء: إن في كلمة المساجد لله إضافة تشريفٍ وتكريم، لكن هذا لا يمنع أن ينسب المسجد إلى غير الله، فلا حرج في قولنا: هذا جامع الفاروق مثلًا، أو جامع الوليد بن عبد الملك، وهذا لا يمنع من كون المساجد لله، فلا يمنع من أن تنسب إلى الباني أو منفق أو مشرف، أما في الأصل فهي لله عزَّ وجل، لذلك وجب على الإنسان حينما يأتي إلى المسجد يجب أن يخلع الدنيا خارج المسجد، مهما كانت مرتبته الاجتماعية ... أو حجمه المالي، أو درجته العلمية أو رتبته العسكرية، فإن كل شيء متعلِّق بالدنيا يجب أن يبقى خارج المسجد، وهذا شيء دقيق جدًا، فالناس يتفاوتون خارج المسجد، ففيهم المدير العام، وفيهم الحاجب، لكن حكمة الله عزَّ وجل شاءت أن يكون هذا التفاوت في مراتب الدنيا متلاشيًا المسجد.
يروى أن أحد الخلفاء كان في المسجد الحرام _ وأظنه أنه الإمام مالك إمام دار الهجرة _ فطلب منه بعض العلماء أن يزوره، فقال له: قولوا له يا هارون إن العلم يؤتى ولا يأتي، قال: صدق، نحن نأتيه، ثم قال: قولوا له: إذا جئتنا فلا ينبغي أن تتخطى رقاب الناس.
فأنت في المسجد مسلم فقط، لا يوجد لك رتبة عسكرية، ولا رتبة علمية كالدكتوراه مثلًا، ولا رتبة اجتماعية كعضوية غرفة التجارة، بل أنت في المسجد مسلم، فيجب أن تجلس حذاء أخيك المسلم دون أي تفرقة، فلا يجوز لك في المسجد تخطي رقاب الناس، أما إذا كنت في احتفال أو في دائرة فقد تمتلك مرتبة خاصة، فالمدير العام له غرفة خاصة كما له طاولة خاصة و مقعد خاص، أما الموظفون الآخرون فلهم غرفهم الخاصة، و المستوى فيها أقل، فالمراتب في الدنيا تتفاوت، أما في المساجد فكل المسلمين عند الله سواء، فهم سواسيةٌ كأسنان المشط، فالمساجد لله، والذين فيها عبادٌ من عباد الله.