5 -إن هؤلاء الجن لما سمعوا القرآن ووُفِّقوا للتوحيد والإيمان تنبَّهوا إلى الخطأ الذي وقع فيه كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه، واتخاذه صاحبةً وولدًا، فاستعظموا ذلك ونزَّهوا الله عز وجل، فليس كل ما قالته الجن صوابًا، وهذه ناحية دقيقة جدًا، فما كل شيء تسمعه صحيح، و ما كل كتاب تقرأه صحيح، فهناك كتب و قصص فيها ضلالات، وهناك مقولات كلها خطأ، فالإنسان عليه أن يختار الحق و يصطفي ويتخذ مقياسًا لتلقِّي الحقائق، فلا يقبل كل ما يسمع،"بحسب المرء من الشر أن يحدث بكل ما سمع"، لأن الذي تسمعه قد لا يكون صوابًا، قال تعالى:
{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}
فقد كان الشيطان سفيه الجن يقول على الله شططًا، فيتأوَّل ما لم يكن، و يقول إن الله اتخذ من الجن زوجةً، وأنجب من هذه الزوجة ملائكةً، و هذا شيءٌ لا أصل له، لذلك قالت الجن:
{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}
الافتقار إلى الجنس الآخر دليل على الضعف:
إن الإنسان مفتقر إلى الطرف الآخر، فكل طرف من بني البشر مفتقر إلى الجنس الآخر، فالمرأة مفتقرةٌ إلى زوج، والزوج مفتقرٌ إلى زوجة، و لا يتمُّ كيانه إلا بالزواج، كما لا يتمُّ كيان المرأة إلا بالزواج، وهذا من ضعف الإنسان، فالإنسان لا يستغني عن زوجة، والزوجة لا تستغني عن زوج، أما الإله جلَّ جلاله فلا يمكن أن يكون محتاجًا إلى زوجةً، فحينما تقول: الإله اتخذ صاحبةً وولدًا؛ فهذا يعني أنه ليس إلهًا ولا خالقًا، فالله جلَّ جلاله وجوده ذاتي، قال تعالى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
(سورة الإخلاص)