فالآن أصبحت القضية سهلة جدًا، فإذا كنت أمام أي موضوع بالدين، فإن أول عمل يجب عليك هو أن تصنِّفه، فهل هو مع الحواس أم مع العقل أم مع الخبر الصادق؟؟ فإذا كان مع الحواس فانظر إليه وأمسكه بيدك، و قدِّر وزنه، وقدِّر نعومته بجلدك، وقد يكون مما لا يُرى جسمه ولكنه يُرى أثره، فإذا رأيت دخانًا مثلًا قلت: هناك نار، لأنه لا دخان بلا نار، وإذا رأيت الضوء أطْفِئ فجأةً فمعنى ذلك أن الكهرباء قد انقطعت، فهل سبب الانقطاع يا ترى من عندنا أم من المؤسسة؟ فالعقل هنا اشتغل في الآثار، أما حينما ترى غرفةً مغلقة في البيت، فلا يمكنك أن تعرف ما فيها مهما كنت ذكيًا إلا أن تسأل صاحب البيت: رجاءً قل لي ما في هذه الغرفة؟ وهو عندك صادق، فقد عرفت المكتب بعينك وعرفت وجود الكهرباء بعقلك وعرفت محتوى هذه الغرفة بالخبر الصادق.
فإذا استطعت أن تصنف كل موضوع في أي حقل هو، انتهت كل مشكلاتك في العقيدة، وإن أكثر أعداء الدين الآن يأتون إلى مؤمن ضعيف الإيمان ويقولون له: أنا رجل واقعي، أثبت لي وجود الجن بدليل علمي، أو أحضر دليلًا على وجود الملائكة، أين الملائكة؟ فيرتبك هذا الإنسان بسبب عدم وجود دليل مادي، لأن الدليل إخباري فقد، فالله عزَّ وجل أخبرني أن هناك مخلوقات تدعى (الجن) ، و أن هناك مخلوقات تدعى (الملائكة) ، فإيَّاك أن تخوض مناقشةً مع ملحدٍ حول موضوعاتٍ إخبارية، فالموضوعات الإخبارية ليس لها قيمة لها إطلاقًا إلا إذا صدِّقت قائلها، و كلامي هذا دقيق، فإذا آمنت بالله أولًا وآمنت بكتابه ثانيًا وصدَّقت أنه كلام الله، وأخبرك الله أن هناك مخلوقاتٌ هي الجن، فإنك تؤمن الآن بالجن إيمانًا إخباريًا، فأنت لست مكلّفًا أن تؤمن بالجن إيمانًا عقليًا، فليس هناك دليل عقلي على وجود الجن، ولن تستطيع أن تؤمن بالجن إيمانًا حسيًا لأنك لا تراها، قال تعالى:
{يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}
(سورة الأعراف: آية"27")