فمهمة العقل إذًا هي أن ينتقل من الأثر إلى المؤثِّر، و من خلق إلى خالق، و من شيء محسوس إلى شيء مجرَّد، و من شيء الذي له أثر إلى ذات الشيء، لذلك كان الإيمان بالله يأتي عن طريق التفكُّر في خلق السماوات والأرض.
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}
(سورة الفرقان: آية"63")
يعني يتفكرون.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ • الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
(سورة آل عمران)
فنحن أيها الإخوة أمام عبادة راقية جدًا هي عبادة التفكُّر، و هذه عبادة أهملها فضعف إيمانهم بعظمة الله، فأصبحوا يؤمنون بوجوده لكنهم لا يؤمنون بعظمته، والدليل:
{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ • ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ • ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ• إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}
(سورة الحاقة)
فبعض المسلمين يجعل الله أهون الناظرين إليه، يقول تعالى في الحديث القدسي:
"عبدي طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة".
فإلى أي شيءٍ ينظر الله عزَّ وجل؟ إنه ينظر إلى قلبك، وقد طهرت منظر الخلق؛ فطليت بيتك و نظفت مركبتك، و غيرت أثاث بيتك، و لبست أجمل الثياب، إنك تُطَهِّر منظر الخلق، ويا ليتك تطهر منظر الله عزَّ وجل، و الله ينظر إلى قلوب لعباد، فلو طهرت منظر الله عزَّ وجل لكنت في حال غير هذا الحال، قال تعالى:
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ • إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
(سورة الشعراء)
لأن القلب هو قِوام الإنسان، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول:"تعاهد قلبك".