فهرس الكتاب

الصفحة 20291 من 22028

أيها الإخوة الكرام ... إن الإنسان يملك قوة إدراكية هي العقل، هذا العقل لا يستطيع أن يصل إلى الحقيقة إلا بالأثر، (الأقدام تدلُّ على المسير، والماء يدل على الغدير، والبعر يدل على البعير، أفسماءٌ ذات أبراج وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلاَّن على الحكيم الخبير) ، فمهمة العقل هي أن يصل من شيءٍ محسوس، إلى شيءٍ مغيَّب.

فالله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار، ولكن الكون كله يدلُّ عليه، فالكون أحد آثاره، ونحن نصل من الأثر إلى المؤثِّر، و من الخلق إلى الخالق، و من التسيير إلى المسيِّر، ومن الحكمة إلى الحكيم، و من العطاء إلى المعطي، و من النِعمة إلى المُنعم.

فالأشياء المحسوسة أداة معرفتها الحواس الخمس، أما الأشياء غير المحسوسة التي لها آثار فأداة معرفتها العقل، و العقل في هذا الميدان يجول ويصول، وإذا تعمَّقت في التفكر بالآثار وصلت إلى الله عزَّ وجل، لذلك يمكن أن أقول لكم بشكلٍ بسيط: إن العقل أوسع بابٍ ندخل منه على الله وأقصر طريقٍ نصل به إليه، فهو يتكامل مع الكون كما أنه قوة إدراكية تكشف المجهول من آثاره، و تكشف الغائب عنك منها، لذلك يصنِّف المؤمن دائمًا وأبدًا المقولات فيقول: هذه قضية حسية، و هذه قضية عقلية، ولكن .. هناك قضية ثالثة، كانت سبب درسنا اليوم، وسبب هذه المقدمة، فقد عرفنا أن الشيء الحسي الذي ظهرت عينه فأدركنا آثاره بحواسنا الخمس، ونحن بهذا نلتقي مع بقية المخلوقات، أما الشي الذي غابت عينه وبقيت آثاره فلا يمكن أن نصل إليه بحواسنا الخمس، وهناك المغالطة يطرحها الفلاسفة تقول: (أنا أشعر بوجودي إذًا أنا موجود) و الرد على هؤلاء أن عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود، فإذا لم تر الله بعينيك ولم تشعر به بحواسك الخمس لم يكن معنى ذلك أنه غير موجود، فأنت الآن تتعامل مع أشياء كثيرة لا تشعر بوجودها لكنها موجودة، فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، و هذه حقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت