فقد يركب إنسان مركبة قديمة جدًا من موديل الأربعين، فتتدهور و يموت، نقول: إن سبب تدهورها هو نوعيتها السيئة أو قِدمها الشديد الذي أتلف أجهزتها، و لكن إذا ركب الإنسان أحدث مركبة، وكانت الطريق مليئة بالمنعطفات، وكان على اليمين وادٍ وعلى اليسار وادٍ، فلو أطفأ الضوء مرةً واحدة تدهور، فهل علة التدهور الأولى كعلة التدهور الثانية؟ لا، لقد تدهور الأول بسبب ضعف المركبة، أما الثاني فقد تدهور بسبب عدم الرؤية أو انعدام الرؤية فارتكب حادثًا فأودى به، فقد يكون الإنسان من أذكى البشر، و قد يكون ذا عقلٌ راجح، لكنه حينما لا يرى بنور الله يهلك، وسأضع لكم على ذلك أمثلة تعرفونها جميعًا.
قد يفحص الإنسان درجات عينيه عند طبيب عيون، فإذا كشف جهة الحروف في السطر الأسفل كانت درجة رؤيته عالية جدًا، فيقول له الطبيب: (اثنتا عشرة على عشر) ، وقد يقول لإنسان آخر: (عشر على عشر) ، أو تسع على عشر وهكذا ...
فقد يكون الإنسان حاد البصر، وقد تكون درجة رؤيته اثنتي عشرة على عشر، ولكن .. ما قيمة هذه العين إذا لم يوجد ضوء؟ إنها لا قيمة لها إطلاقًا، فالعين لا بد لها من وسيطٍ يصل بينها وبين الأشياء، والوسيط هو النور الاصطناعي أو الطبيعي، فكما أن النور أساسيٌ في وظيفة العين فإن الوحي أساسي في وظيفة العقل، فقد يكون عقل الإنسان مجهزًا بتجهيز من أعلى المستويات، ولكن هذا العقل لا قيمة له من دون وحيٍ يهتدي به.
فالعقل جهاز ضخم لكن حيادي، فقد يُستخدم في الخير و قد يستخدم في الشر، فالآلة الطابعة الراقية التي يصل ثمنها إلى نصف مليون، من ممكن أن تطبع بها عملة وتزورها فتدخل السجن، كما يمكن أن تصمم بها أغلفة وبطاقات فتغتني، والآلة واحدة.
وسيلة معرفة الأشياء غير المحسوسة التي لها أثر:
(العقل) :