فعلامة محبتك لله اتباعك لرسول الله، ومن أَجَلِّ أنواع الاتباع أن تدعو إلى الله على بصيرة في حدود ما تعلم ومع من تعرف من خاصَّة نفسك؛ أي: أهلك، أقرباؤك، جيرانك بالسكن و بالعمل، فلو دعا كل إنسان إلى الله في حدود خاصَّة نفسه لما وجدت مشكلة، لأن هؤلاء يعرفهم ويعرفوه، فإذا كان لك أخ كريم، أو ابن عم، أو صديق، أو صهر، أو جار أو زميل عمل فبيَّنت له آية أو حديث، أو بينت له علّة وجودنا، وغاية وجودنا، ودعوته إلى الله بلطف وأدب و موعظة حسنة، فاستقام على أمر الله وسار في طريق الحق فقد انطبق على هذا الشخص حديث .."يا علي لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس".. فهذه صنعة الأنبياء، وهذا العمل لا يقدَّر بثمن لأنك تسعد به إلى أبد الآبدين، ودقق دائمًا في هذه القاعدة: مات إنسان وغُسِّل وكُفِّن ومشت جنازته وأُدخِل في قبره، فماذا ينفعه في القبر؟ إذا كان بيته مثلًا أربعمائة متر، فهل ينفعه؟ لا .. وإذا كان يسكن في كوخ فهل يضرَّه؟ لا .. فكوخ أربعين متر و قصر أربعمائة متر، هما في القبر سواء، فإذا كان الإنسان من أكبر الأغنياء أو من أفقر الفقراء فهل يرفعه غناه في القبر أو يخفضه فقره في القبر؟ لا، فما الذي ينفعك في القبر؟ وما الذي تلقى الله به؟ وما الذي يبيِّض وجهك وأنت بين يدي الله عزَّ وجل؟ إنه طاعته و محبَّته و خدمة عباده و الدعوة إليه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تعلُّم كتابه و تعليم كتابه و تفقُّد المساكين والعطف على الفقراء، و دفع المال في سبيل الله، فهذا الذي ينفعك وأنت في القبر، فشفير القبر هو الحد الفاصل .. فكل عملٍ يستمرّ معك إلى ما بعد الموت هو العمل العظيم الذي ينبغي أن تعضَّ عليه بالنواجذ، أما العمل الذي لا يذهب معك إلى القبر فوقته وقيمته خسارة و إن كان مباحًا، أما إن كان محرَّمًا فهو بلاءٌ كبير وسبب الهلاك لهذا الإنسان.