شخص كان يركب مركبة، فلو أنه ألقى نظرةً على مؤشِّر الوقود ورآه قُبَيْلَ الأخير، فإنه يملأ وقود المستودع في أول محطة، أما لو لم ينظر إطلاقًا فمتى سيعلم بانتهاء الوقود؟ حينما ينتهي هذا الوقود، وهناك أمكنة لا يوجد فيها محطة وقود، فإذا تعاملت مع الحواس علمت أن المركبة تسير إلى أن تقف، لكنها تقف في مكان غير مناسب، فقد يقف ساعتين ... أو ثلاثة، و لكن يجب عليك أن تلقي نظرةً على مؤشِّر الوقود وتفكر قائلًا: بقي خمسين كيلو، ثم تفكر في محطة وقود .. لذلك أقول مرة ثانية: المؤمن يتعامل مع المستقبل بعقله، والكافر و غير المؤمن يتعاملان مع الحاضر بحواسهما، وهناك شهوات، فأي شيءٍ يلبّي هذه الشهوات يفعله غير المؤمن دون تفكير أو حساب أو مسؤولية أو وجل أو خوف، فما دام هناك شهوات مودعة فيه، فإنه يلبيها بحيوانيةٍ عجيبة .. إذًا:
{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
مبين: معه أدلة، فهو ينطق بلسانهم، بلغتهم.
لماذا كان الأنبياء من البشر؟
ليخاطبوهم.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}
(سورة إبراهيم: آية"4")
إما بلغتهم التي يعرفونها، أو بالأشياء التي تفوَّقوا بها، فقد كان هناك قومٍ تفوق في السحر، فإذا بسيدنا موسى يأتي بعصاةٍ فتصبح ثعبانًا مبينًا، كما كان هناك قوم تفوَّقوا في الطب فأتى سيدنا عيسى وأحيى الموتى، وقد تفوَّق القوم في اللغة والبلاغة فأتى النبي الكريم بقرآنٍ مُعْجِز، فلذلك كان الأنبياء يأتون ببيان و أدلة وأسلوب واضح وعلامات نَيِّرة وبيان معجز.
{إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}