ففضلًا عن معنى: أن تشهد للناس أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، و فضلًا عن أن تشهد لهم بلسانك أو بعملك، بلسانك متكلمًا، أو بعملك قدوةً، هناك معنى آخر متبادر وهو أنك إذا دُعيت إلى شهادةٍ فاشهد ولا تقل: ليس عندي وقت .. لأن هذه عبادة و طاعة لله عزَّ وجل .. وأنت حينما تنقذ أخًا لك من ظُلْمٍ محقق تكون قد فعلت عملًا طيبًا.
أذكر أن امرأةً أرادت أن تفتري على إنسانٍ يسكن في بيتٍ لها مستأجر، فادَّعت أنه فاسد الأخلاق، فلما جاءت القاضي قال لها: أريد شاهدًا على ذلك، فقالت: ابنتي، قال: لا إنَّ شهادة البنت لا تكفي وليست مقبولة، قالت: عندنا طالبة جامعية تشهد، قال: أوافق، فلما عرضوا على هذه الطالبة أن تشهد شهادة زور لا أصل لها، قبلت، فلما قبلت أكرموها إكرامًا ما بعده إكرام، لأنها إذا شهدت وصدر الحكم بإخلاء المنزل استردوا بيتًا، فبعد شهرٍ جاء وقت المحاكمة واستدعيت هذه الطالبة وسألها القاضي: هل صحيحٌ أن هذا المستأجر فاسد الأخلاق؟ .. وهذا المستأجر مؤمن .. قالت له: والله يا سيدي إن لمح امرأةً عن بعد مئة مترٍ فإنه يغضُّ بصره عنها .. فهي قبلت أن تشهد كي لا تسمح لأخرى أن تشهد شهادة زور، وهذا عمل طيب، وقد سقطت الدعوة لأنه فيها افتراء يمس أخلاق الإنسان وهي تعلم استقامته وعفَّته وطهارته، لكن كيد الكائدين أراد تشويه صورته، فإذا دعيت إلى شهادة رأيتها بأم عينك فضيعت وقتك من أجل أن تشهد للحق فلا تتصور أن هذا عمل سهل، بل هذا يُعَدُّ عملًا طيبًا وعبادةً عاليةً جدًا.