فأول معنى من معاني الحاقَّة هو: اليوم الذي تحقُّ فيه الأمور؛ أي تستقر على وضعها الطبيعي و تُعطى حجمها الحقيقي وقيمتها الحقيقية، فالحق حق والباطل باطل، والخير خير والشر شر، و المعروف معروف، والمنكر منكر؛ أما في عالم الدنيا فقد يغدو المنكر معروفًا، وقد يغدو المعروف منكرًا، و قد يًصدَّق الكاذب وقد يُكذَّب الصادق، وقد يخوَّن الأمين وقد يؤتمن الخائن، كما قد تكون المَراتب ليست وفق أعمال اجتهادهم أصحابها بل وفق نفوذهم وانتمائهم، هكذا هي أمور الدنيا، أما أمور الآخرة فهي مستقرة على وضعها الصحيح و قيمتها الصحيحة وحجمها الصحيح، لذلك هنيئًا لمن كان متفوِّقًا بمقياس الآخرة، والويل لمن ظنَّ التفوق بمقياس الدنيا، لأن الدنيا تذهب من بين يدي الإنسان في ثانيةٍ واحدة، فكل ما جمَّعه الإنسان في عمرٍ مديد يخسره في ثانيةٍ واحدة إذا توقَّف قلبه، أو تجلَّط دمه، فإذا حدث ذلك انتهى، أما المؤمن فتراه ينطلق إلى حياةٍ أبديةٍ كلُّها خيرٌ وهناء .. ... فقد سميت الحاقة حاقةًً لأن الأمور تَحِقُّ فيها، أي تستقر على وضعها الطبيعي، و تأخذ حجمها الحقيقي و تُعْطَى حجمها الصحيح و تُقَيَّم تقيمًا مطلقًا، فرب الكائنات هو الذي يحكم، و رب الوجود هو الذي يفصل، و خالق الأكوان هو الذي يعطي أو يمنع ..
2 -السبب الثاني: