وقد انتشر هذا حتى صار الناس إذا رأوا إنسانًا يفعل الخير يستغربون، يقولون: هذا مجنون، فأصبح الأصل ألا تفعل خير، وأصبح الأصل اللؤم و الإساءة، فصار الخير نادرًا، حتى إذا فعل إنسان الخير بدا وكأنه شاذ، وشَكَّ الناس فيه، وتجدهم يقولون: ما مقصده من ذلك؟ ليس له مقصد، إنه يفعل الخير، و الآن أصبح لفعل الخير تفسير سئّ، فصار الأصل في المجتمع أنه منَّاع للخير، ففي فرنسا أرادوا أن يمتحنوا الدافع الإنساني في المجتمع، فجاؤوا بسيارة إلى أكثف طريق بين مدينة باريس ومدينة ليون، ووضعوا سيارة كأنها مصابة بحادث، و جاؤوا بإنسان فصبغوه بحبر أحمر فأصبح كأنه جريح يستغيث، فمضت ست ساعات قبل أن تقف أول سيارة لتسأل ما به.
{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ}
لي صديق كان في لندن قال لي: رأيت امرأةً قبل مائة متر وقعت على الأرض، وكان على الرصيف كثافة كبيرة جدًا، فلم يخطر في بال واحدٍ من الناس أن ينهِض هذه المرأة ليسأل ما لها، فلما وصل إليها أنهضها، فقالت له: أنت غريب عن هذه البلاد، فقد عرفت أنه غريب، لأنه أنهضها، وسأل عن حاجتها.
{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ}
صفة المؤمن أنه فَعَّال للخير؛ والكافر مَنَّاع للخير، يكبر عليه أن يتعاون الناس وأن يرحمهم و ينصحهم، فمرة جاء إنسان وقابلني، سألني عن دروس المسجد، وهو يحضر لدرجة دكتوراه في بلاد الغرب، و عنده موضوع فقال لي: ماذا يأتيك من هذه الدروس؟ لماذا تفعل هذا كله؟ فهو لم يفهم ولم يستوعب، فالإنسان الغربي لا يستوعب العمل الصالح فهو لا يتحرَّك إلا بالمال، و مرةً عرض صديقٌ لي على مندوب شركة كلمة حق، فقال له: هذا الأمر لا يعنيني إطلاقًا، أنا تعنيني امرأة جميلة وسيارةٌ فارهة ومنزلٌ واسع فقط.
{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ}
(سورة الأنفال)
كلمة:
{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ}