أيها الإخوة الكرام، أتمنى عليكم شيئًا، جرِّب ألا توازن بين جهتين، ولا بين أمتين، ولا بين شعبين، ولا بين دولتين، ولا بين رجلين، ولا بين حرفتين، جرب ألا توازن بين جهتين إلا إذا أضفت الآخرة إلى كلٍ منهما، قد تجد مطعمًا دخله فلكي، لكنه يبيع الخمر، وقد تجد مطعمًا في قرية غلته لا تزيد على مئتي ليرة في اليوم، لكنه يبيع بإخلاص، ويقيم شرع الله، ففي الموازنة الظاهرة شتان بين المطعمَين، أما في الموازنة الحقيقية إذا أضفت الآخرة إلى كلٍ منهما وجدت أن هذا المطعم المتواضع، الذي دخله لا يكفي مصروف صاحبه، هو أرقى على المدى البعيد من صاحب هذا المطعم الأول، وقس على هذا كل شيء.
دخل سيدنا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه مضطجعًا على حصير، وقد أثر الحصير على خده الشريف، فبكى عمر، قال:
ـ يا عمر ما يبكيك؟
ـ قال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟!
ـ قال: يا عمر، أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟! هذه رواية.
الرواية الثانية: يا عمر، إنما هي نبوةٌ وليست ملكًا.
الراوية الثالثة: أفي شكٍ أنت يا عمر؟
قال: لا.
الدنيا لا قيمة لها، وأساسًا:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}
(سورة الأنعام: من الآية 44)