{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}
لا تعبأ بكلام الناس، فالناس الآن يقولون .. متزمّت، متقوقع، بعيد عن واقع الحياة لا يعرف عن مباهج الدنيا شيئًا، من بيته إلى مسجده، همّه الكتاب والعلم، لا تعبأ بكلام الناس، فلو أنك تأكل أطيب طعام عرفته في حياتك وأحدهم يقول لك: هذا الطعام غير طِّيب، فمن تصدّق؟ إنك أنت من يأكل ويتذوق ويتنعم، فالإنسان الذي يسعد بقربه من الله لو عارضه كل الناس لا يعبأ بكلامهم لأنه يذوق طعم القُرب من الله عزَّ وجل ..
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ¯ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}
غير منقطع بل هو مستمر .."يا علي لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها".
والله أيها الإخوة ... لو كُشِفَ لنا الغطاء لوجدت أقوى الناس في الدنيا يتمنَّى أن يلقي كلمة حقٍ في أذن إنسان، كلمة حق واحدة، (( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ) )فالدعوة إلى الله صنعة الأنبياء، (( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا غير الله ) )هؤلاء في أعلى مرتبةٍ عند الله عزَّ وجل، لذلك لا تكن قنوعًا في شأن الآخرة، كن قنوعًا في الدنيا ولا تكن قنوعًا في الآخرة، اطلب الجنة في أعلى مراتبها .. لقد قالت السيدة عائشة عن عبد الرحمن بن عوف:"أخشى أن يدخل الجنة حبوًا، فقال: والله لأدخلنّها خببًا، وما عليّ إن كنت أنفق مائةً في الصباح فيؤتيني الله ألفًا في المساء". لذلك إذا عرف الإنسان الله، وعرف سر الحياة كما قال سيدنا علي (ودققوا في هذه الكلمة) قال:"والله لو علمت أن غدًا أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي"،. إنه منطلق بأقصى سرعة، هذا الوقت هو أثمن شيء تملكه، فبالوقت تطلب العلم، وبالوقت تصلي، وبالوقت تقرأ القرآن، وبالوقت تعلّم القرآن، وبالوقت تأمُر بالمعروف، وبالوقت تنهى عن المنكر، وبالوقت تربِّي أولادك، وبالوقت تهدي الناس، وبالوقت تعمل وتكسب قوت يومك، وبالوقت تسعد، فالوقت وعاء العمل، و الوقت رأس مالك الوحيد فاحرص عليه، لقد هلك المسوِّفون، فلا تقل: غدًا أتوب، غدًا أفعل، افعل هذا اليوم ..
{وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}
أجر مستمر ..
"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"* (صحيح مسلم: عن أبي هريرة)
مرَّة قرأت آيةً في تفسيرٍ وقد تأثَّرت من تفسيرها تأثّرًا كبيرًا فجعلتها موضوعًا للخطبة وكانت الخطبة ناجحةً جدًا، و بعد يومين فكَّرت فقلت: هذا الذي ألّف التفسير قبل ألف عام هو الآن تحت أطباق الثرى، لكن الخير الذي فعله انتقل من إنسان إلى آخر، إلى آخر، إلى مجموعة كبيرة، فاترك أثرًا قبل أن تموت ..
"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"
(صحيح مسلم رواه: أبي هريرة)