إن أيّ عطاءٍ تأخذه من الله في الدنيا ينتهي عند الموت، لو كنت أغنى أغنياء الأرض، لو سكنت في أجمل بيتٍ في الأرض، لو كانت عندك أجمل زوجةٍ على الإطلاق، لو أنك ارتقيت إلى أعلى منصبٍ في الأرض، يأتي الموت فيأخذ كل هذا منك في ثانيةٍ واحدة، أما العمل الذي عملته لهداية الخلق فهذا الذي يُرافقك إلى أبد الآبدين، هذا الذي تسعد به يوم الدين، هذا الذي ترقى به عند رب العالمين، هذا الذي يرفعك إلى أعلى علِّيّين، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل هداية من حوله، فمن أقرب الناس إليه؟ زوجته، أولاده، إخوته وأخواته، عمَّاته وخالاته، جيرانه وأصدقاءه، زملاءه، كلمة طيّبة، كلمة مؤنسة، زيارة خالصة لوجه الله، حديث طيّب، تفسير آية، تفسير حديث، شريط، افعل شيئًا، تحرَّك، اخرج من ذاتك ..
ذكرت من قبل أن الإنسان حينما يتيه عن منهج ربه ينتمي إلى ذاته فقط، لا يعنيه إلا أمر نفسه، لا تعنيه إلا ذاته، لا يعنيه إلا بيته، هذا يعيش لذاته، هذا ليس له عند الله أدنى قيمة، لأنه شرد عن منهج الله، لأن الله عزَّ وجل يقول:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
(سورة المائدة)
حينما ترى أن بضعة أشخاصٍ اصطلحوا مع الله على يديك، وتابوا إلى الله بجهدٍ منك، وأقاموا أمر الله في بيوتهم بتوجيهٍ منك، واستطاعوا أن يستقيموا كما تريد، وأن يلتفتوا إلى الله كما تتمنَّى، ما شعورك وأنت قد رددت خلق الله إلى الله؟
الأب الذي له ولدٌ شاردٌ عنه، إذا جاءه رجل صديق فعثر على ابنه شاردًا، فعلَّمه وهذَّبه، وأقنعه بوالده، وأطعمه وسقاه، وردَّه إلى أبيه، ماذا يقول الأبُ لهذا الصديق؟ يقول له: فعلت معي معروفًا لا أنساه حتى الموت، الله يُحبُّ خلقه جميعًا، هو الذي خلقك، محبَّتنا كلَّها مُسْتَقاةٌ من محبة الله لعباده، هو خلقهم، هو أرحم بهم من أنفسهم.