هنا معنى دقيق جدًا، في الإسلام تكاليف، بعضها تأمر أن تدع، وبعضها تأمر أن تعطي، في مجال الاستقامةِ الاستقامةُ حدية، لا تحتمل التفاوت، نقول لك: أعطِ ما تستطيع، فهذا يعطي ألفًا، وهذا يعطي ألفين، وهذا يعطي مليونًا، اتق النار ولو بشق تمرة، الترك حدي، ليس فيه حالة وسط، هناك أمور لا بد من أن تنتهي عنها، وإلا فأنت محجوب، وهناك أوامر للبذل والعطاء، وخدمة الناس، هذه وفق استطاعتك، فالشيء المتعلق بالترك حدي، الوضع لا يحتمل تفاوتًا، مثلًا: مستودع فيه إحكام، وفيه إملاء، الإحكام حدي، إذا قلت: هذا المستودع محكم، أي أنه محكم، لو وضعت فيه كذا لترًا من الماء، أو من الوقود السائل تبقى هذه الكمية ثابتة دون أن تنقص، الإحكام ليس فيه حل وسط، أما إملاؤه فقد تضع فيه مئة لتر أو خمسمئة لتر حسب إمكانيتك، إملاء المستودع نسبي متفاوت، أما إحكامه فحدّي، فالاستقامة لا تحتمل النسبية:
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ}
[سورة هود: 112]
إن الله أمر المسلمين بما أمر به المرسلين هذا في الاستقامة، أمركم بأشياء ونهاكم عن أشياء، فالذي نهاكم عنه فدعوه، والذي أمركم به فافعلوا منه ما استطعتم، في العطاء، وإنفاق المال ما استطعتم، في بذل الجهد ما استطعتم، في إنفاق العلم ما استطعتم:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
[سورة البقرة: 286]
أما في ترك المنكر .. ترك الكذب .. ترك الخيانة .. ترك أكل المال الحرام، كل شيء فيه ترك حدّي، وكل شيء فيه بذل نسبي، إذًا:
{أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}
[سورة آل عمران: 102]
أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه، أما:
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}