هل في هذه الآية ما يشير ولو واحد بالمئة أن الله عز وجل هو الذي خلق الكافر كافرًا؟ لكن الله عز وجل خلق الإنسان بطبيعة وخاصية تتيح له أن يؤمن كما تتيح له أن يكفر، لأن الإنسان في الأصل مخير، إذًا بإمكانه أن يؤمن كما بإمكانه ألا يؤمن، مادام أصل الإنسان مخلوقًا أول، مكرمًا، مكلفًا حمل الأمانة، والأمانة نفسه التي بين جنبيه، فأساس الثواب والعقاب الاختيار، أساس الجنة والنار الاختيار، أساس كل شيء الاختيار.
والاختيار من لوازمه الحياد، أما إذا لم يستعمل شيئًا إلا في وظيفة واحدة فليس بالإمكان أن تكتب في التعليمات أنه يستعمل في وظائف عديدة، مصمم أن يقدم لك خدمة واحدة، وهناك آلات مصممة أن تعمل على تيارين إذًا فيها اختيار، آلة مئة وعشرة لا تعمل في أي مكان، تعمل على تيار واحد فليس فيها اختيار أبدًا، أما إذا كان بالإمكان أن تعمل على التيارين، فإنه يوجد مكان، يقول لك: إن أردت أن تعملها على هذا التيار فافعل كذا، وافعل كذا، مادام في الإمكان أن تعمل على تيارين فهناك اختيار، من لوازم الاختيار الحياد، مادام الإنسان مخيرًا فطبيعته النفسية قابلة أن تؤمن وقابلة أن تكفر.
الحكمة من تقديم الكفر على الإيمان:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}
ولكن لماذا قدم الكفر على الإيمان؟ لأن الكفار أكثر، قال تعالى:
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
[سورة الأنعام: 116]
هناك شيء آخر، هذه النفس البشرية فيها قابلية الإيمان كما أن فيها قابلية الكفر، لذلك الإنسان مخير، مخير لأن فيه قابلية الإيمان والكفر، هذه العلاقة ترابطية، مخير لأنه يملك قابلية الإيمان والكفر معًا، إذًا هو مخير.