إذا كان الإنسان مقيمًا في دولة نفطية، ومعه إقامة، وكتبوا له: مغادرة بلا عودة، يمكن أن يصاب بجلطة، وكلنا سوف نغادر ولا نعود، فعندما يأتي ملك الموت تكون المغادرة بلا عودة، وإذا مات الإنسان، وشُيِّع، ودفن، هل يقول أهله مساءً: لماذا لم يأت فلان؟ لا، إنه لن يرجع، غرفته انتهت، وملابسه يوزِّعونها، هذه الساعة الحرجة .. ساعة مغادرة الدنيا .. ينبغي أن نعرف خطورتها، ينبغي أن نستعدَّ لها من الآن.
والله أيها الإخوة، إن الإنسان المؤمن الذي يستعدُّ لهذه الساعة بالتوبة والطاعة والاستقامة والعمل الصالح، والله حينما يأتي ملك الموت ليس في الأرض كلِّها إنسانٌ أسعد منه .. > ..
تصوَّر لو أن طالبا يدرس في بلد أجنبي، يعمل في مطعم خادما يغسل الصحون، ويدرس، وهو ساكن في غرفة قميئة إلى أن نال الدكتوراه، إنه موعود في بلده بأعلى منصب، وأجمل بيت، وأجمل زوجة، وأجمل مركبة، أخذ الشهادة، وصَدَّقها، ووضعها في حقيبته، وقطع تذكرة السفر، وصعد إلى الطائرة، وهو يصعد الطائرة هو في أسعد لحظات حياته .. كيف القدوم على الله يا أبا حازم؟ قال:"كالغريب عاد إلى أهله".
سيدنا رسول الله تفقَّد أحد أصحابه اسمه سعد بن الربيع، بحث عنه أصحابه، فإذا هو بين الموت والحياة في ساحة المعركة، قيل له:"يا سعد بن الربيع، إن النبي قد أمرنا أن نتفقَّد حالك، هل أنت مع الأحياء أم مع الأموات؟ أي هل هناك أمل؟ فقال: بل أنا مع الأموات، ولكن بلِّغوا نبي الله مني السلام، وقولوا له ـ وهو في الرمق الأخير ـ: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيًّا عن أمَّته، وقولوا لأصحابه: لا عُذْرَ لكم إذا خُلِص إلى نبيكم وفيكم عينٌ تطرف".
ما حالة هذا الإنسان؟ حالة هذا الإنسان في أعلى درجات السعادة، لأنه أدَّى ما عليه.