(( وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ) ).
[الترمذي عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ]
لأنها تؤكد صدق صاحبها، فهذا النموذج أنه إنسان يخسر شيئًا من الدنيا، أحيانًا أب يكتب لأحد أولاده ظُلمًا وعدوانًا كل ماله، لأن هذا الابن من زوجته الأخيرة، وأولاده الآخرون من زوجةٍ قد طلَّقها، ولا يحبها، فإذا كتب هذا المال كلَّهُ لابنه من زوجته الجديدة، وحرم أولاده من زوجته المطلقة، فلو أن هذا الابن كان مؤمنًا، وأراد أن يرحم أباه، وأن ينقذه من عذاب النار فوزَّع هذه التركة بين إخوته جميعًا وفق ما أمر الله عزَّ وجل، ألا يخسر؟ يخسر طبعًا، هل يعدُّ فقره الطارئ ضعفَ حيلةٍ فيه؟ لا، هذا فقر وسام شرف له.
أعرف عددًا كبيرًا والله الأب أعطاهم كل شيء، بعد موت الأب وزَّعوا هذا المال على إخوتهم وفق قواعد الشرع، فأنقذوا أباهم من عذاب النار، ورمموا العلاقة بينهم وبين إخوتهم، كانوا أعداء فأصبحوا أحبابًا، فهذا الذي كان له خمسة وعشرون دنما بقي له دنمان من الأراضي، هل يعد هذا الفقر ضعفًا فيه؟ لا، هذا الفقر وسام شرف في حقه.
أما في فقر الكسل، إنسان مهمل، غير متقن، كسول، متوانٍ، ذهَب عمره فُرُطَا، مهمل أعمالَه، هذا فقر اسمه فقر الكسل، هذا وصمة عار، وهناك فقر يأتيك من مبادئك، فقر يأتيك من استقامتك، أحيانًا الإنسان يرفض أن يدفع مبلغًا غير مشروع فيخسر صفقة كبيرة جدًا، فيها شرط مسبق، شروط ليست في كتاب الله، في إنفاق من المال غير شرعي، فإذا امتنعت عن إنفاق هذا المال غير الشرعي خسرت صفقةً كبيرة، وليكن، ومرحبًا بقضاء الله.
أنا أريد أن أركز على أنه ليس كل فقر يعد وصمة عار، هناك فقر يعد وسام شرف، هذا انتصار لمبادئك، الدنيا تحت قدمك، هذا نموذج، وهذا النموذج نموذج المهاجر الفقير، هذا نموذج مستمر إلى يوم القيامة، كل إنسان خسر شيئًا من الدنيا، أو خسر الدنيا من أجل مبدئه ومن أجل دينه، ومن أجل آخرته تنطبق عليه هذه الآية.